فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 571
وكان جمهور بني إسرائيل قد تمرّدوا على هارون وقيادته عليه السلام، إذ استضعفوه، فلم يوافقوا على التوجّه مرتحلين لجهة جبل الطّور، حيث الميقات الّذي حدّده اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السلام، وخشي هارون عليه السّلام أن يكتفي بمن وافقه على الارتحال على أثر موسى، أن يقول له موسى: فرّقت بين بني إسرائيل.
ولمّا رأى هؤلاء الجمهور من بني إسرائيل أن موسى عليه السّلام قد أبطأ عليهم بسبب إكمال اللّه ميعاده إلى أربعين ليلة، بعد أن كان ثلاثين ليلة، وهم لم يعلموا بهذه الزّيادة، قالوا: لا نعلم ماذا أصاب موسى في رحلته لمناجاة ربّه، فصنعوا بقيادة السّامريّ العجل الذّهبيّ إلها لهم يعبدونه، ويسير أمامهم حاميا وراعيا لهم، تحمله كهنتهم أينما ساروا.
ثمّ رأوا موسى عليه السّلام قادما إليهم من بعيد، بعد أربعين ليلة، بتأخّر عشر ليال عمّا كان أصل الموعد، ورأوه يحمل ألواحا، فأخذت المخاوف من سطوته تدبّ إلى قلوبهم، وحين اقترب من منازلهم رأوا علامات الغضب والحزن بادية عليه، وكانوا يهابونه مهابة عظيمة، فقد سبق أن شاهدوا أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أعطاه قوى فلق البحر بعصاه، وأغرق له فرعون وآله وجنوده.
فعظم الأمر عليهم، وأدركوا أنهم عصوا بتمرّدهم على أخيه هارون، إذ أبوا أن يرتحلوا على أثر موسى إلى جهة جبل الطور، فأخلفوا الموعد الّذي وعدوه موسى، أخذا ممّا جاء في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) بقول اللّه تعالى:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ .... (80)
وقول موسى لهم كما جاء فيها أيضا: فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي. (86)