فهرس الكتاب

الصفحة 2667 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 572

وأدركوا أنّهم قد أجرموا باتّخاذهم العجل، وأنّ موسى عليه السّلام، سيعاقبهم على ذلك لا محالة، فقد نهاهم سابقا عن اتّخاذ إله من المحسّات المادّية، وحذّرهم من اتخاذ إله أو آلهة من الأوثان يعبدونها، وشدّد عليهم في ذلك، وأخذ منهم الوعد أن لا يغيّروا ولا يبدّلوا في الدّين شيئا.

عندئذ سقط بأشياء معنويّة في أيديهم، وهذه الأشياء المعنوية هي بمثابة قيود وأصفاد وأغلال ثقيلة من حديد، تجعل قواهم عاجزة عن الدّفاع عن أنفسهم، كالمجرم القاتل أو السّارق أو الخائن خيانة عظمى، إذا رأى أنّه محاط بالجنود الّذين سيقبضون عليه لا محالة، فلا مهرب له منهم، فإنه تنحلّ قواه من الرّعب، وترتخي أعصابه، وتتدلّى يداه، وتسقط على الأرض رجلاه، كأنّ حديدا ثقيلا قد أسقط بسرعة فائقة غلّا أو صفدا أو قيدا في يديه، فكانتا مشدودتين نحو الأرض من ثقل ما سقط عليهما، لإثباته، فهو لا يستطيع حراكا.

* وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا: أي: ورأوا رؤية علميّة بعد شهودهم موسى عليه السلام قادما إليهم، أنّهم قد تسرّعوا باستبطائهم عودته، وأنّهم قد ضلّوا باتّخاذهم العجل الذهبيّ إلها يعبدونه، فقالوا:

* لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) :

لقد جعلوا يردّدون نظير هذه المقالة فيما بينهم قبل أن يصل موسى عليه السّلام إلى حيث ينزلون، وقبل أن يواجههم بالمحاسبة على ما فعلوا.

وجعلوا يدعون ربّهم كما جاء في القراءة الأخرى، قائلين: [لئن لم ترحمنا ربّنا وتغفر لنا لنكوننّ من الخاسرين (149) ] .

وهذا اعتراف منهم لربّهم بكبيرتهم الشّركيّة الّتي ارتكبوها، طامعين بأن يرحمهم ويغفر لهم.

الرّحمة: صفة من صفات اللّه الجليلة، وهي صفة نفسيّة، نثبتها للّه عزّ وجلّ على ما يليق بجلاله، ومن آثارها العطاء، والمعونة، والتّوفيق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت