فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 577
عليه السّلام، إذ أخذ برأسه يجرّه إليه، من اتّهامه بالتقصير والتهاون، على ثلاث مقولات، مصحوبات بهدوء، وحلم، وصبر، وتحمّل، تناسب طبيعته، إذ هو ليّن، حليم، هادئ، وصبور، لا تأخذه الحدّة.
المقولة الأولى: دلّت عليها عبارة: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي:
بدأ أخاه في هذه المقولة باستعطافه بأمّه الّتي هي أمّهما، مع أنّهما شقيقان، ولكنّ حياتهما كانت برعاية أمّهما الّتي كانت ترعاهما بالحنان والشفقة دواما.
[ابن أمّ] : أصل الكلام: يا ابن أمّي، ومثل هذا الاستعمال تحذف منه ياء المتكلّم، فإذا حذفت جاز في العربيّة وجهان: إبقاء الكسرة على آخر الكلمة، فيقال: يا ابن أمّ. وفتح آخر الكلمة، فيقال: يا ابن أمّ. وحذف حرف النداء، وهو جائز في العربيّة إذا كان نداء ب"يا".
وسبق بيان أنّه قرى بكسر الميم وفتحها من"ابن أمّ".
* إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي:
اسْتَضْعَفُونِي: أي: وجدوني ضعيفا لا أملك قوّة أغلبهم بها.
وتدلّ هذه العبارة بلوازمها الفكريّة، على أنّ هارون عليه السلام قد نهى بني إسرائيل عن اتّخاذ العجل فلم يستجيبوا له، ثمّ حذّرهم وأنذرهم فلم يبالوا، وقد جاء في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) أنّه قال لهم بشأن العجل ما جاء في قول اللّه تعالى:
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي. (90)
أي: إنّما امتحنتم بخوار هذا العجل الذّهبي، ليكشف اللّه عزّ وجلّ