فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 584
أي: نسي موسى أنّ إلهه الذي ذهب لمناجاته موجود بينهم، في المكان الذي تركه، لذلك ضلّ عنه فهو يفتّش عنه باحثا في جبل الطّور فلم يجده، فأبطا بالرّجوع إلينا.
ويظهر أنّ مرادهم روح الإله الذي دخل في العجل، ودلّ عليه خواره العجيب.
هكذا كانت تصوّراتهم عن الإله الذي يستحقّ أن يعبد تصوّرات بدائيّة ساذجة، نظير تصوّرات عبّاد الأوثان.
وجاء التعليق الرّبانيّ الحكيم الذي يبيّن سفاهتهم، وفساد مفهوماتهم عن الإله الرّبّ المعبود، فقال اللّه عزّ وجلّ في النّصّ:
أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (89) :
أَفَلا يَرَوْنَ: أي: أَانطمست بصائرهم فلا يرون بأفكارهم وعقولهم، فالمراد بالرّؤية الرّؤية الفكريّة العلميّة.
أن لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا:"أن"هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو محذوف وجوبا كما يقول النحاة.
والمعنى: أفلا يرون أنّ العجل الّذي صنعوه من الذهب لا يرجع إليهم قولا، أي: لا يردّ عليهم جوابا إذا سألوه سؤالا ما.
وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا: أي: وأفلا يرون أنّه لا يستطيع أن يدفع عنهم ضرّا، ولا أن يجلب لهم نفعا، لأنّه لا يملك ما يدفع به عنهم الضّرّ، أو يجلب به النفع.
وجاء في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) أيضا بيان مساءلة موسى لأخيه هارون، فقال اللّه عزّ وجلّ فيها:
قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)