فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 590
يقال لغة: نسف فلان الشيء، أي: فرّقه وأذراه، ونسفت الريح التراب، أي: حملت أجزاءه الصّغرى وفرّقته حيث اتجهت.
ويظهر أنّ موسى عليه السلام أمر بإيقاد نار شديدة، أمام السّامريّ، وأمام جماهير بني إسرائيل، حول هذا الإله المصنوع المفترى به على اللّه، فلمّا حرّقه وانطفأت النّار حوله وبرد، أمر بتفتيته إلى أجزاء صغرى دقيقة.
جاء في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج، ما يلي:
"20 - ثمّ أخذ العجل الّذي صنعوه وأحرقه بالنار وطحنه حتّى صار ناعما وذرّاه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل".
لكنّ القرآن أبان أن موسى عليه السلام توعّد بني إسرائيل بأن ينسفه في اليمّ نسفا، أي: في البحر، وذكر اليمّ يبعد أن يكون ذرّاه على وجه الماء وسقاه مع الماء بني إسرائيل.
ولعل نسّاخ السّفر، وجدوا في الأصل أنّ بني إسرائيل أشربوا في قلوبهم حبّ العجل، كما جاء في القرآن، ففسّروا ذلك من عندهم أنّ موسى عليه السّلام سقى ذرّات العجل مع الماء بني إسرائيل.
إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا. (98)
بعد أن أبان موسى عليه السّلام، بالتطبيق العمليّ، أنّ العجل الّذي أحبّوه وعبدوه ليس له من الإلهيّة شيء، وأنّه صورة مصنوعة من مادّة من مواد الأرض الّتي خلقها اللّه، وأنّ خواره لم يكن أكثر من ظاهرة من ظواهر تأثيرات الأشياء في الأشياء، كتأثير مرور الرّيح في بوق إذ يحدث صوتا ناعما رقيقا أو غليظا خشنا.
بعد ذلك أبان لهم أنّه لا إله بحقّ في الوجود إلّا اللّه الرّبّ الّذي وسع كلّ شيء علما.