فهرس الكتاب

الصفحة 2695 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 600

وسجد موسى لربّه، ودعا واستغفر، ووقف الذين معه قريبا من الجبل، ولم يصعدوا عليه، لأنّهم نهوا عن ذلك، ودخل موسى في الغمام الّذي ظلّل الجبل، فكان الغمام مجلّلا ساترا.

فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:

لقد زلزل اللّه عزّ وجلّ الأرض من تحت بني إسرائيل الذي حضروا مع موسى، فأخذتهم رجفة الأرض، أي: قبضتهم جميعا، وهزّتهم معها، وأخذت قلوبهم رجفة الرّعب من الموت، ومن دفنهم أحياء في شقوق الأرض.

ويظهر أنّ اللّه جلّت حكمته شاء أن يعطيهم بهذه الرّجفة درسا تربويّا عمليّا، يشعرهم فيه أنّه لو زاد هذه الرّجفة زيادة قليلة لأهلكهم بها، ولدفنهم في باطن الأرض الّتي يقفون عليها، فإذا كانوا قد خافوا على أنفسهم من جماهير قومهم الّذين اتّخذوا العجل وعبدوه، فلم يأخذوا على أيديهم بالقوّة، فاللّه أحقّ أن يخشوه، لأنّه قادر- جلّ جلاله وعزّ سلطانه- على أن يمحوهم من الوجود كلّه بطرفة عين، أو بأقلّ من ذلك.

عندئذ خاف موسى عليه السلام على صفوة قومه أن يدفنوا في الأرض بهذه الرّجفة التأديبيّة التّربويّة، ولم يكن يعلم أنّها لتأديبهم وتربيتهم بصورة عمليّة مرهبة، فتوجّه لربّه داعيا ملتجئا:

قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ... ؟؟ (155)

إنّ الحدّة في طبع موسى الفطريّ لم تمكّنه من أن يصبر قليلا، ليرى أثر الرّجفة، وليدرك أنّ المقصود بها تأديبهم، وتربيتهم، لا إهلاكهم، والغرض من هذا التأديب أن لا يتهاونوا مستقبلا في أمر الدّين، ولا يتساهلوا مع المحرّفين والمبدّلين.

فأسرع مع بدء حدوث أوائل الرّجفة قائلا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت