معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 601
* رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ: أي: لو أنّك شئت إهلاكهم على تقصيرهم في الأخذ على أيدي سفهاء بني إسرائيل، لكنت أهلكتهم قبل مجيئهم معتذرين تائبين مستغفرين شافعين للّذين أجرموا، دون أن تجعل لنا ميقاتا لتقديم هذه التّضرّعات، ولكنت أهلكتني معهم، لأنّني عجلت في الميقات السّابق فلم أصحب قومي معي، واكتفيت بتكليفهم أن يأتوا ورائي بقيادة أخي هارون، فعصوه.
هذه المعاني نفهمها من مثاني القول.
* أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا؟! وخلال دعائه أدرك موسى عليه السّلام أنّ تقصير صفوة قومه، وتعجّله، لا يقتضيان بحسب سنّة اللّه عزّ وجلّ في الجزاء إهلاكهم، فقال داعيا: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا؟! أي: أتهلكنا بسبب ما فعل السّفهاء منّا، الّذين يستحقّون الإهلاك لأنّهم أشركوا، مع كلّ آيات التّوحيد العظمى الّتي شهدوها، نظرا إلى أنّهم الجمهور الأعظم منّا، فهذا العرق البشريّ لا يستحقّ البقاء في الحياة الدنيا، لكثرة السّفهاء الضّالّين فيه.
استفهام فيه معنى التفجّع، وهو مبنيّ على ظنّ ضعيف سبق إلى ذهنه، فرأى فيه أنّ هذه الرّجفة رجفة إهلاك.
لقد كان موسى عليه السّلام معذورا في تصوّراته، بسبب هول المفاجأة الّتي شهدها بالرّجفة.
ولكن سرعان ما أدرك عليه السّلام أنّ الحياة الدّنيا كلّها حياة امتحان للعباد، فما جرى لقومه، وما جرى منهم من صنع العجل وخواره، وعبادة جمهور بني إسرائيل السّفهاء له، هو مظهر من مظاهر هذا الامتحان، فقال في دعائه لربّه:
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ... (155) :