فهرس الكتاب

الصفحة 2698 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 603

وبدهيّ أن مشيئة اللّه لا تفارق حكمته، فهو لا يحكم لمن كان ضالا بالهداية، ولا يحكم على من كان مهتديا بالضلالة.

فكلّ من فعلي: تُضِلُ ووَ تَهْدِي مستعمل هنا بمعنى تقضي وتحكم، بالضّلالة، أو بالهداية، وهذا أحد المعاني الّتي يستعمل فيها إسناد الأفعال إلى الفاعل أو إلى المفعول به.

والمعنى: تنسب إلى الضّالّ الضّلال، وتنسب إلى المهتدي الهداية.

وبعد الحكم الرّبّانيّ يأتي الجزاء الملائم له، وبهذا تظهر ثمرة الامتحان وغايته.

ولمّا أعلن موسى عليه السّلام استسلامه لحكم ربّه في بني إسرائيل وما يستتبع حكمه من جزاء، لجأ إلى ربّه داعيا قائلا:

* ... أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) :

أَنْتَ وَلِيُّنا: أي: أنت ربّنا وسيّدنا والمنعم علينا والمالك لنا، والمتولّي لكلّ أمورنا، وفي هذا تفويض كامل للّه عزّ وجلّ.

فَاغْفِرْ لَنا: بعد إعلان الاستسلام الكامل لحكم اللّه، وتفويض الأمر كلّه إليه سأل موسى ربّه أن يغفر له ولقومه، فدعا دعاء عامّا بالمغفرة لنفسه ولقومه.

المغفرة: ستر الذّنب، وفي طلب ستر الذّنب معنى التجاوز عن المحاسبة والجزاء عليه، فكأنّ الذّنوب غير منظور إليها في المحاسبة والجزاء، وأتبع فدعا بالرّحمة، فقال:

وَارْحَمْنا: الرّحمة صفة نفسيّة من آثارها المغفرة والعفو والصّفح والإكرام والجود، وكلّ العطاءات التي تمنح السعادات.

وفي الدّعاء بالرّحمة بعد الدّعاء بالمغفرة تعميم بعد تخصيص، أي:

وزدنا بعد المغفرة من عطايا رحمتك الواسعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت