معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 604
وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ: هذه عبارة ثناء على اللّه جلّ جلاله، مبدوءة بحرف عطف، وكان مقتضى الظّاهر أن تأتي دون حرف عطف، فما الحكمة من عطفها بالواو؟.
أقول: إنّ التّدبّر الأمثل يهدينا إلى أنّ هذه الجملة معطوفة على جملة محذوفة أفصحت عنها"الواو"العاطفة، وتقدير الكلام هنا:
أنت وليّنا، فاغفر لنا، وارحمنا، أنت أرحم الرّاحمين، وأنت خير الغافرين.
وفي دعائه السّابق في الآية (151) لنفسه ولأخيه قال موسى عليه السّلام:
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) :
ومن سنّة التكامل في دلالات النّصوص، نفهم أنّ هذه الآية أيضا، هي على تقدير:
وأدخلنا في رحمتك أنت خير الغافرين، وأنت أرحم الراحمين.
وقد دلّ المذكور في كلّ من الدّعاءين على المحذوف في كلّ منهما، وأشار وجود حرف العطف في كلّ منهما إلى الجملة المحذوفة في كلّ منهما.
ويلاحظ أنّ طلب الرّحمة من اللّه، يستدعي الثناء عليه بأنّه أرحم الرّاحمين، وأنّ طلب المغفرة منه يستدعي الثناء عليه بأنّه خير الغافرين.
وهنا يرد سؤال، وهو: لماذا لم يأت في الثناء الثاني عبارة: وأنت أغفر الغافرين، كما جاء في الثناء الأول عبارة: وأنت أرحم الراحمين؟!