فهرس الكتاب

الصفحة 2700 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 605

أقول: إنّ المغفرة لا تكون خيرا دواما، بل قد يكون الخير في كشف جريمة المجرم ومعاقبته على جريمته، بينما قد تدفع عاطفة الأبوّة أو الأمومة إلى ستر كلّ جرائم الأبناء، والتجاوز عن المؤاخذة عليها، وهذه المغفرة شرّ، وتشجيع للمجرم على التمادي في جرائمه.

أمّا الرّحمة فاللّه أرحم كلّ الرّاحمين دواما، وقد جاء في النّصوص القرآنيّة أنّه خير الرّاحمين، للدّلالة على أنّ الرحمة حينما تكون منافية لمقتضيات الحكمة فإنّ اللّه ينزل بالمذنب العقوبة الّتي تقتضيها حكمته جلّ جلاله، وهذا من الرّحمة بغيره من عباده.

وتابع موسى عليه السّلام دعاءه قائلا:

* وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ ... (156) :

أي: واكتب لنا في هذه الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة أو حسنات لا حصر لها. وقد حذف هذا من الجملة للعلم به، وهو ممّا يقتضيه الإيجاز والاقتصاد في العبارة، ولا سيما في مخاطبة الرّب جلّ جلاله.

وَاكْتُبْ: دعاء جاء التعبير فيه عن آخر الأمر الذي يثبّت به المراد المقضيّ تنجيزه في المستقبل.

فالأمر من الممكنات يراد، فيقضى به، فيكتب، فينفّذ حينما يأتي وقت التنفيذ. فطلب كتابته يتضمّن عن طريق اللّزوم الذهنيّ دعاء بتخصيصه بالإرادة، فإمضائه والقضاء به، فكتابته لتنجيزه في حينه، وهذا من الكنايات لما فيه من استخدام اللوازم للدلالة على ملزوماتها.

إنّ موسى عليه السلام بعد أن سأل اللّه عزّ وجلّ بقوله: وَارْحَمْنا خصّ في دعائه بالذكر نوعين من أثار رحمته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت