معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 607
عَذابِي: أي: عقابي، فالعذاب في اللّغة أتى بمعنى العقاب، وهو المراد هنا كما يظهر، ومعلوم أنّ العقاب إنّما يكون عن ذنب، وعقاب اللّه للمذنبين إنّما يكون معادلا لذنوبهم، فالسيّئة في قانون اللّه الجزائيّ تقابل بمثلها المكافئ لها.
ولمّا كان من الذّنوب ما قد يغفره اللّه، وكان منها ما قد يعاقب عليه، ولمّا كانت مشيئة اللّه الحكيمة هي الّتي تحدّد إنزال عقابه، أو الغفران والعفو، كان التعبير الملائم للدلالة على هذه الحقيقة، قول اللّه عزّ وجلّ:
عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ.
ولا بدّ أن نضع في ملاحظتنا دواما أنّ مشيئة اللّه لا تفارق حكمته، وأن حكمته سبحانه إنّما تقضي بعدله، أو تقضي بفضله وإحسانه.
وأمّا قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فالظاهر أنّه جواب لقول موسى عليه السّلام لربّه؛ فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا.
يقال لغة: وسع الشيء الشيء، أي: لم يضق عنه.
والمعنى: أنّ رحمة اللّه واسعة جدّا سعة قابلة لأن تفيض على كلّ شيء قابل بتكوينه، أو باختياره، لتلقّي آثار فيضها وعطائها وجودها، وهذا القيد يفهم باللّزوم العقلي، أو بالاقتضاء العقلي، وبرهانه أنّ الشيء الّذي لا يقبل بأصل تكوينه أن يتلقّى آثار رحمة اللّه لم يخرج من عموم سعة رحمة اللّه لأنّها لا تتّسع له، بل لأنّه محروم بطبيعته من تقبّل آثارها، والانتفاع بها، كالصّخرة الصّمّاء الّتي تنزل عليها أمطار السّماء، الّتي هي أثر من آثار رحمة اللّه فلا تنتفع بها، لا لأنّ رحمة اللّه لم تسعها، ولكن لأنّها هي لم تقبل الانتفاع بغيث السّماء.
وكذلك من يرفض باختياره الحرّ، من ذوي الإرادات الحرّة، تلقّي رحمة اللّه الّتي وسعت كلّ شيء بشروط تلقّيها.