فهرس الكتاب

الصفحة 2703 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 608

ولنفرض أنّ رحمة اللّه تشبه نهرا عظيما، يتّسع لكل من يريد الانتفاع بمائه، بأيّ وجه من وجوه الانتفاع، ولكن بشرط أن يتّخذ وسيلة لاستخراج الماء من النهر، مع العلم بأن وسائل استخراج الماء منه ميسّرة لكلّ طالب الانتفاع به بنسبة متساوية، فإذا رفض المحتاج إلى الماء اتّخاذ أيّة وسيلة ميسّرة له، فهل يقال: إنّ ماء النهر لم يتّسع له، أم يقال: إنّه هو الذي أبى باختياره الحرّ الانتفاع بماء النّهر.

ولنفرض أنّ رحمة اللّه تشبه غيثا عظيما عامّا شاملا، ولا يحتاج الانتفاع به إلّا أن يتعرّض ذو الإرادة الحرّة لتلقّيه من السّماء، لكنّ المحتاج إليه أوى إلى مغارة، أو ستر نفسه بمظلّة حاجبة، فهل يقال: إنّ الغيث لم يكن عامّا شاملا يمنح عطاءه لكل من يتلقّاه، أم يقال: إنّ الّذي حجب نفسه بإرادته الحرّة هو الّذي أبى الانتفاع به.

إنّ صفة رحمة اللّه هي السّعة الشّاملة لكلّ شيء، ولكنّ الّذي ينتفع بها هو الّذي لديه القابليّة والاستعداد للانتفاع بها، وإذا كان ذا إرادة حرّة فانتفاعه بها شرطه اتخاذ وسيلة للانتفاع بها، واجتنابه ما يحجبه عنها. ضمن قوانين اللّه الثابتة، التي وضعها اللّه عزّ وجلّ بحكمته لحياة الابتلاء في الدنيا، وحياة الجزاء في الآخرة.

ففي عالم الحياة الدنيا عالم الابتلاء جعل اللّه عزّ وجلّ كلّ كائن حيّ مستعدّا بتكوينه الفطريّ لتلقّي مقدار ما من آثار رحمة اللّه في الرزق والصّحّة وتذوّق لذّات الحياة الدنيا، والاستمتاع بحلاوة ما فيها من حلو، وجعل كلّ ذي إرادة حرّة موضوع في الحياة الدنيا موضع الامتحان، مستعدّا لتلقّي تعليمات الهداية الرّبّانيّة الّتي هي من آثار رحمته.

ولكنّ بعض النّاس يرفضون بإراداتهم الحرّة الانتفاع بتعليمات الهداية الرّبّانيّة، كالمريض الذي يرفض استعمال الدواء، لأنّه جاء على خلاف ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت