معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 635
يَهْدُونَ بِالْحَقِّ: أي: هم دعاة يدعون إلى سبيل ربّهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فيهدون النّاس بذلك، ولكنّهم لا يتّخذون وسيلة باطلة لما يقومون به من هداية، بل يتخذون وسائل من الحقّ، فهم ينصرون الحقّ بالحقّ، ويهدون إلى الحقّ بالحقّ.
معنى"الباء"في عبارة:"بالحقّ"الاستعانة.
وَبِهِ يَعْدِلُونَ: أي: وبالحقّ يعدلون، إذا حكموا بين الناس، أو قضوا بين الخصوم.
فهم يستعينون بالحقّ وبالنّظر الثاقب إليه، لمعرفة وجه العدل الّذي يحكمون به بين الناس، ولمعرفة وجه العدل الّذي يقضون به بين المتخاصمين.
وهذه شهادة من اللّه عزّ وجلّ لهذا الفريق من قوم موسى، الّذي تصحّ نسبتهم إليه، واعتبارهم من قومه المتبعين له، بأنّهم يهدون بالحقّ، ويعدلون بالحقّ، فهم بصفاتهم أئمة للمتقين وإن كانوا أعدادا قليلة في عصورهم، أبرار أو محسنون.
أمّا الذين بقوا من بني إسرائيل على يهوديّتهم بعد بعثة عيسى عليه السّلام، فلم يؤمنوا بعيسى، ولم يتّبعوا ما أنزل عليه من ربّه، فليس فيهم حتما أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون، لأنّهم قد أخرجوا أنفسهم من قوم موسى بالكفر بعيسى، وكذلك الّذين لم يؤمنوا بمحمّد بعد بعثته، من بني إسرائيل الّذين آمنوا بعيسى واتّبعوه، ليس فيهم حتما أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون، بسبب كفرهم بما يجب عليهم أن يؤمنوا به، وبسبب عدم اتّباعهم ما أنزل إليهم من ربّهم على رسوله محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين.
وقدّم لفظ بِهِ على لفظ يَعْدِلُونَ مراعاة لفنّيّه التّناسق في رؤوس الآيات.