معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 657
ثمّ فتحوا مدنا كثيرة في عهد النبيّ"صموئيل"ثمّ في عهد القضاة، وكانت هذه الظّاهرة المذكورة في نصّي (الأعراف) و (البقرة) ظاهرة متكرّرة.
ولعلّ في إغفال تعيين القرية المرادة في القصّة غرض الإشعار بأنّها ظاهرة تكرّرت في بني إسرائيل، حينما كان يمدّهم اللّه عزّ وجلّ بقوى غيبيّة، وأسباب لا يملكونها، ويفتح اللّه لهم القرى في الأرض المقدّسة.
وكان المطلوب منهم كلّما فتح اللّه لهم قرية من القرى صغيرة أم كبيرة، أن يدخلوا بابها خاضعين للّه، مطأطئي رؤوسهم له، مستغفرين من ذنوبهم، وأن يستمرّوا بعد دخولها وسكناها قائمين بواجب السّجود للّه وحده، والعمل بشرائعه وأحكامه، لا يشركون بعبادته شيئا، وكانوا يعطون العهد على ذلك قبل أن ينصرهم اللّه، ثمّ بعد أن يحقّقّ لهم وعده وينصرهم، ويفتح لهم القرى، ويمكّنهم من أعدائهم ينقضون عهدهم مع اللّه، فيبدّلون، ويعملون بقول آخر يفترونه، غير القول الذي قاله اللّه لهم، فيظلمون ويفسقون.
فإذا تمادوا في معاصيهم ومخالفاتهم وانحرافاتهم، وأهملوا العمل بآيات اللّه المنزّلات، أرسل اللّه عليهم عذابا من السّماء بسبب ما كانوا يظلمون فاسقين.
وهذه الحادثة الّتي ذكرها اللّه عزّ وجلّ في نصّي (الأعراف) و (البقرة) لا علاقة لها بالحادثة التي جاءت في النصّ الذي جاء في سورة (المائدة) الّذي يبيّن اللّه عزّ وجلّ فيه دعوة موسى عليه السّلام لبني إسرائيل، أن يدخلوا الأرض المقدّسة التي كتبها اللّه لهم بشرط أن يدخلوها مقاتلين مجاهدين في سبيله لنشر دين اللّه والدعوة إليه.
فقالوا له: إنّ فيها قوما جيّارين وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها، وقالوا له: يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون.