فهرس الكتاب

الصفحة 2789 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 693

ولمّا تقطّعوا في الأرض كوّنوا في مواقعهم المشتّتة أمما، كلّ قسم منهم كوّن أمّة مجتمعة إسرائيليّة، لم تذب في الأمم التي دخلوا فيها، وعاشوا بينها، وهذا ما يثبته تاريخهم حتّى واقعهم المعاصر.

ونوّع اللّه لهم وهم في بلدان التشتيت أنواع الامتحان ليتوبوا، وليرجعوا إلى صراط اللّه المستقيم، والعمل بكتابه المنزّل، وشريعتهم الّتي بلّغهم إيّاها موسى والأنبياء من بعده عليهم السلام، حتّى انتهت مدّة العمل بهذه الشريعة، ببعثة محمّد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

فكان من أنواع الامتحان الّذي امتحنهم اللّه به حسنات تسرّهم على أيدي الشّعوب الّتي نزلوا بينها، أو بتصاريف اللّه في كونه مباشرة.

وكان من أنواع الامتحان الذي امتحنهم اللّه به سيّئات تسوؤهم على أيدي الشعوب الّتي نزلوا بينها، أو بتصاريف اللّه في كونه.

* وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ...: دلّت هذه العبارة على أنّ اللّه عزّ وجلّ أجرى مقاديره الخفيّة، الّتي كان من آثارها تقطيع بني إسرائيل وتمزيقهم في الأرض، بعد ضرب دولتهم ووحدتهم.

ولم يكن هذا التقطيع والتمزيق إلّا عقوبة لهم، لأنّهم لم يرعوا حقوق المنحة الّتي منحهم اللّه إيّاها، إذ استخلفهم في الأرض المقدّسة من بلاد الشّام، عن ملوكها الوثنيّين الّذين كانوا فيها، وكان هذا الاستخلاف الذي منحهم اللّه إيّاه بمعونات غير عاديّة، ليقيموا الدّولة الرّبّانية، وليعلوا كلمة اللّه في الأرض، إذ مكّنهم من الانتصار على شعوبها ذوات القوّة والبأس.

لكنّهم سرعان ما حرّفوا وغيّروا وبدّلوا، واتّبعوا سنن الأمم الظالمة الآثمة من قبلهم، إفسادا في الأرض وظلما وعدوانا، وفسقا وفجورا ووثنّيات، فسلبهم اللّه- جلّ جلاله وعظمت حكمته- ما كان قد منحهم، ومزّقهم، فكانوا في شتات الأرض أمما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت