فهرس الكتاب

الصفحة 2796 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 700

الدّنيا، وهو عرض هذا الأدنى، إنّما يأخذونه بالمعاصي والمخالفات، وارتكاب الآثام والذّنوب من مختلف الدّركات، قول اللّه تعالى بشأنهم:

وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا لأنّهم لو كانوا يأخذونه ممّا أحلّ اللّه لهم، لما احتاجوا لأن يقولوا في أنفسهم، أو لإخوانهم، أو لواعظيهم سيغفر لنا، أي: إنّ اللّه سيغفر لنا كلّ ذنوبنا ومعاصينا، مهما كانت من الكبائر الكبرى، لأنّ اللّه فضّلنا لذواتنا على سائر الناس، فنحن أبناء اللّه وأحبّاؤه.

لكنّ مقالتهم هذه من الافتراء على اللّه، وعلى كتابه، وعلى رسله، فمغفرة اللّه لا تختصّ بشعب دون شعب، إذ هو ربّ العالمين جميعا، فمن حقّق في نفسه شروط المغفرة غفر اللّه له، والذنوب المتعلّقة بحقوق العباد لا بدّ من إقامة عدل اللّه فيها، فإمّا أن يغفر المظلومون، وإمّا أن يقتصّ اللّه من ظالميهم، والقصاص يوم الدّين يكون من الأعمال الصالحة، أو يكون بطرح ما يساويها من سيئات المظلومين على الظالمين.

* وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ: أي: وبما أنّهم يعتبرون مغفرة اللّه لهم تتحقّق بأفضليّتهم لذواتهم على سائر الناس، ادّعاء منهم بأنّهم أبناء اللّه وأحبّاؤه، فإنّهم يكرّرون ارتكابهم لكبائر الذّنوب الّتي سبق أن ارتكبوها، ولو لم يقم في نفوسهم طلب ملحّ لارتكابها، فهم يأخذون عرض هذا الأدنى آثمين ظالمين، على الرّغم من عدم وجود الدّاعي النّفسيّ الملحّ لارتكاب الإثم الكبير، حتّى صارت ممارساتهم للمعاصي عادات، لا يردعهم عنها أقوى الروادع وأشدّها.

دلّت كلمة [إن] من عبارة وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ وهي أداة من أدوات الشّرط تستعمل في المشكوك فيه أو القليل النادر، على أنّ هذا العرض المماثل للعرض السّابق لم يكن منتظرا، ولا مرتقبا من قبل نفوسهم، إذ ليس في نفوسهم الدافع الملحّ في طلبه والرّغبة في الحصول عليه، وهم مع ذلك يأخذونه، لاستهانتهم بارتكاب كبائر الإثم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت