معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 703
قول اللّه تعالى:
* وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) :
وقرأ شعبة عن عاصم: [و الّذين يمسكون] بإسكان الميم وكسر السّين دون تشديد، والقراءتان متكافئتان، إحداهما من فعل"مسّك"والأخرى من فعل:"أمسك".
تشير هذه الآية إلى وجود طائفة متّقين، ضمن جماهير الخلف الفاسدين من ذرّيّات بني إسرائيل، ومن صفات هذه الطّائفة المحافظة على العمل بتعاليم كتاب ربّهم دون تحريف ولا تغيير ولا تبديل، وهم لا يفترون على اللّه كذبا، ويقيمون الصّلاة المفروضة عليهم، ويعملون على إصلاح أنفسهم، وإصلاح من يستجيب لهم من قومهم.
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ هؤلاء لا يضيع اللّه أجرهم عنده، وإن كانوا قلّة ضمن جماهير كثيرين فاسدين من اليهود، لأنّهم يدخلون في عموم المصلحين.
* وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ: أي: يعملون بما جاء فيه من وصايا وأحكام، ولا يحرّفون فيه، ولا يبدّلون، ولا يقولون على اللّه إلّا الحقّ، فلا يفترون على اللّه كذبا.
ومن التّمسّك بكتاب اللّه المنزّل إليهم أن يؤمنوا بكلّ رسول ونبيّ جاء إلى الناس بعد موسى وهارون عليهما السلام، لأنّ كتابهم يأمرهم بذلك، فلا يدخل في هذه الطائفة الّذين يكفرون بالأنبياء والمرسلين الّذين جاءوا من بعد موسى وهارون، بل هؤلاء يدخلون في الخلف الفاسد الكافر.
وبهذا يظهر لنا أنّ كلّ الّذين كانوا يمسّكّون بالكتاب حقّا من بني إسرائيل، قد آمنوا بعيسى عليه السلام بعد بعثته، وأنّ كلّ الّذين كانوا يمسّكون بالكتاب حقّا من بني إسرائيل، قد آمنوا بمحمّد بن عبد اللّه خاتم