معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 708
لكنّهم لم يتخلّصوا من عقدة الدّلال هذه، وأرادوا أن تكون منزلتهم عند ربّهم تفضيلا وتشريفا، دون أن يتحمّلوا في مقابلها واجبا ولا تكليفا.
بيد أنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما فضّلهم على شعوب زمانهم الوثنيّين ليحملوا شريعته ومنهاجه، ويعملوا بهما، وليدعوا الناس إلى دين اللّه، مقدّمين أنفسهم للنّاس على أنّهم القدوة الحسنة، المطبّقة لدين اللّه الّذي اصطفاه لعباده.
فلمّا أنزل اللّه عزّ وجلّ تعاليم الدّين على موسى بالكتاب الّذي أنزله عليه، كلّفه أن يبلّغهم إيّاه، وأن يأخذ عليهم العهد بأن يعملوا بما فيه، ولا يخلّوا بما أوجب عليهم تاركين، ولا بما حرّم عليهم فاعلين.
فأسمعهم موسى عليه السّلام تعاليم الرّبّ ووصاياه، وطلب منهم أن يعاهدوا اللّه على حفظ هذه الوصايا وتذكّرها دواما، والعمل بها.
فأبى جمهور بني إسرائيل الالتزام بالتعليمات والوصايا الرّبّانيّة، وأرادوا أن يستمرّوا في حياتهم على أهوائهم وشهواتهم، شعبا مدلّلا على ربّه، يعطيهم تفضيله ونعمه، دون أن يؤدّوا في رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا واجباتهم تجاه ربّهم، ودون أن يتحمّلوا مشقّات تكاليف الامتحان.
فرفع اللّه فوق محلّتهم النازلين بها في سيناء جبل الطّور، لرفضهم إعطاء العهد على الالتزام بشريعة اللّه، وقال لهم موسى عليه السّلام بلاغا عن ربّه: خذوا ما آتاكم اللّه من وصايا وأحكام في كتابه بقوّة، وعاهدوا على العمل بما جاء فيه، أو يلقي اللّه هذا الجبل عليكم فيهلككم.
وعلى الرّغم من هذا ظلّت عقدة الشّعب المدلّل مستحكمة فيهم، فقالوا: سمعنا وعصينا.
ويظهر أنّهم رأوا أنّ الأمر لمجرّد التّخويف، فلو أعلنوا عصيانهم لم ينفّذ اللّه فيهم ما أشعرهم به، فهو لا يوقع الجبل فوقهم، ولو تمرّدوا، كما