معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 709
يتصوّر الولد المدلّل على أبيه، أنّ أباه لن يضربه بالعصا، ولو رفعها فوقه مهدّدا إيّاه بالضّرب، دلّ على هذا ما جاء في الآية (93) من سورة (البقرة) وهو قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لهم:
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا ... (93) .
ويظهر أنّ اللّه عزّ وجلّ أدنى منهم الجبل المرفوع فوقهم شيئا فشيئا، حتّى ظنّوا أنّه واقع عليهم، وطاحنهم بالأرض طحنا.
عندئذ ذهبت عنهم أوهام ميوعة الدّلال، وتكشّفت لهم حقيقة جبروت الرّبّ، وسطوة انتقامه.
ولم يكن هذا من قبيل الإكراه على الدّين، إذ هم مؤمنون، بل هو علاج لما في نفوسهم من عقدة الدّلال على ربّهم، وتهديد بالعقاب على العصيان، بعد الإيمان وإعلان الإسلام، فإذا رفضوا إعلان الالتزام بالطاعة، كان القتل عقابا عادلا لهم، بالحدّ الشرعيّ، كسائر عقوبات الحدود الشرعيّة.
وإذا صحوا من سكرات ميوعة الدلال على ربّهم، لم يجدوا خلاصا لهم إلّا بأن يعطوا عهدهم وميثاقهم على أن يأخذوا ما آتاهم اللّه في الكتاب بقوّة، أي: بقوّة إرادة على تنفيذ أوامره ونواهيه، وعلى أن يذكروا ما فيه دواما.
التدبر:
* وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ... (171) .
أي: وضع في ذاكرتك أيّها المتلّقي أيّا كنت، قصّة بني إسرائيل حين رفعنا جبل الطّور فوقهم فصار فوقهم كأنّه ظلّة، في عهد موسى.