فهرس الكتاب

الصفحة 2834 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 7

الملحّة، الّتي لا نجد أسبابا لتحقيقها غير اللجوء إلى القوّة الغيبيّة الكبرى، العليمة الحكيمة الرّحيمة القديرة على كلّ شيء.

وليس من العقل والرّشد أن نستبعد هذا، فمعظم ما جرى لنا في طفولتنا، وكثير ممّا جرى لنا ونحن أحداث مميّزون قد نسيناه، ويخبرنا عنه أهلونا والّذين كانوا مشرفين على تربيتنا، فنحن نحدّث به رواية عنهم.

وبعضه نتذكّره تذكّرا باهتا، وبعضه نتذكّره وفيه مقدار غير كثير من الجلاء، وبعضه نتذكّره جليّا.

ونصدّق ما يحدّثنا به أهلونا عن طفولتنا، وما يحدّثنا به من كانوا مشرفين على تربيّتنا، وكثير منه قد اكتسبنا به معارف وعلوما، وصارت هذه المعارف والعلوم أجزاء من ذوات عقولنا وأفكارنا، وفي مهارات أعضائنا.

لقد تعلّمنا اللّغة الّتي نتحدّث بها، وحين بدأنا تعلّمها كنّا شاهدين كلّ مرحلة من مراحلها، لكنّنا بعد أن كبرنا نسينا كلّ هذه المراحل الّتي عشناها وشهدناها، وبقيت لدينا آثارها وثمراتها، فالملكة البيانيّة، ومحفوظاتنا من الكلمات ثمرة تلك المراحل.

أفننكرها لأنّنا نسيناها؟!

أفنكذّب من يحدّثنا عنها لأنّها مسحت من ذاكراتنا، أو طويت في أعماق تلافيفها؟!

لو لم يحدّثنا أهلونا ومربّونا عنها، لكان علينا أن نثبتها بدليل آثارها فينا.

كذلك نقول فيما أخبرنا اللّه عزّ وجلّ خالقنا وربّنا عنه، من أنّه أشهدنا على أنفسنا بأنّه ربّنا، أي: خالقنا وممدّنا بعطاءات ربوبيته دواما، منذ كنّا في مرحلة عالم الذّرّ، من مراحل بدء تكويننا، وهي غير مراحل عوالم التحرّك من الأصلاب، إلى الأرحام، إلى الحياة الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت