معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 10
اكتشفنا في عصرنا الحاضر من المصغّرات الذّرّيّة المتداخلة ما لو انتشر وكبر بخصائصه لملأ العالم، وقدرة اللّه أعظم وأجلّ.
إنّ خلق اللّه المتقن خلق مدهش محيّر، سواء فيما أتقن من المصغّرات الّتي قد يجمع مقدار رأس الإبرة منها، عشرات ملايين الوحدات ذوات الصفات الخاصة، الّتي لو كبّرت لكانت خلقا مدهشا. أم فيما أتقن- جلّ جلاله- من المكبّرات اللّاتي لا يستطيع الوهم إدراك مداها.
والمراد بالأخذ هنا القبض والاستخراج من مستقرّ أصلاب الذكور، للذّرّيّة الإنسانيّة كلّها، المقدّر إيجادها في أزمانها المحدّدة لظهورها في حياة الابتلاء على هذه الأرض.
قول اللّه تعالى:
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ... (172) .
أي: جعلهم يشهدون على أنفسهم بأنّه ربّهم، خالقهم وممدّهم بعطاءات ربوبيّته ما داموا في الوجود، ومهيمن على كلّ شيء فيهم.
وهذا يدلّ على أنّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- قد عرض عليهم ما شاهدوا به أفعال ربوبيّته لهم، فلمّا شاهدوها شهدوا بأنّه ربّهم، ويدلّ أيضا على أنّه منح مصغّرات ذرّيّة آدم حينئذ وعيا إدراكيّا لفهم الخطاب، ولفهم معنى الرّبوبيّة، ولفهم معنى الإقرار والشهادة على أنفسهم، وبعد ذلك أشهدهم على أنفسهم.
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ: استفهام تقريريّ عن نفي ربوبيّته لهم، وجوابه في حالة إثبات الرّبوبيّة يكون بحرف"بلى"إذ هو حرف جواب يختصّ بالنّفي، ويفيد إبطاله وإثبات نقيضه، ولا يصلح في هذا الاستفهام ولا في أمثاله الجواب بحرف"نعم"لأنّه يدلّ على الإقرار بنفي ربوبيّته لهم، فكأنّهم قالوا: نعم لست بربّنا، وهذا نقيض ما أشهدهم عليه.