فهرس الكتاب

الصفحة 2838 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 11

قالُوا بَلى شَهِدْنا: أي: أجابوا بإبطال نفي ربّيته لهم، وإثبات نقيضه، وهو ربوبيّته لهم، وأعلنوا أنّهم قد شهدوا على أنفسهم معتّرفين بأنّه جلّ جلاله هو ربّهم، أي: بلى، أنت ربّنا، ونشهد بهذا على أنفسنا.

أمّا تفصيل كيف أشهدنا على أنفسنا، فقصّة من الغيب عنّا، بعد أن نسيناها، فهي مطويّة في أعماق ذاكراتنا، الّتي لا تدرك رؤيتنا الحاضرة منها إلّا القليل منها.

لكنّ خبر اللّه عزّ وجلّ عن حدوث هذا الأمر، ونحن في مرحلة من مراحل أطوار وجودنا خبر حقّ لا ريب فيه، وقد بقيت لدينا آثار هذا الإشهاد، وهي الفطرة الّتي بها ندرك الخالق الرّبّ جلّ جلاله، وتشدّنا إليه عند الضّرورة، فندعوه، ونلجأ إليه، وتشدّنا إليه المشاعر الدّاخليّة النفسيّة والقلبيّة، لنمجّده، ونحمده، ونعظّمه، ونعبده.

فدليل العقل، ودليل الفطرة النفسيّة والقلبيّة، ودليل الخبر عن اللّه الّذي ذكر اللّه عزّ وجلّ لنا فيه أنّه أشهدنا على أنفسنا، إذ قال لنا في مرحلة الذّرّ، ألست بربّكم؟ فقلنا: بلى، شهدنا. كلّ هذه الأدلّة تؤكّد أنّ الإيمان باللّه الخالق الرّبّ، فطر اللّه النّاس عليها، وسوف يدعوهم اللّه يوم الدّين إلى الشّهادة على أنفسهم، فإذا جحدوا أقام عليهم الحجّة الدّامغة، وللّه الحجّة البالغة.

الزمن الملائم لهذا الحدث من تاريخ أطوار وجود بني آدم:

دلّت كلمة [إذ] الظرفيّة، على أنّ حدث إخراج الذّرّيّة الإنسانيّة وإشّهادها على أنفسها بربوبيّة اللّه لها، قد تمّ فيما مضى لكلّ الذّرّيّة من بني آدم، حتّى آخر نسمة تولد قبل قيام السّاعة.

وبالتفكّر ندرك أنّ الزّمن الأفضل لهذا الإخراج، هو الزّمن الّذي كان فيه آدم عليه السّلام حيّا، قبل أن يولد له ولد ما، لأنّ أولاد آدم المباشرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت