معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 13
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172)
أي: نخبركم بهذا الحدث الّذي جرى لكم، وأنتم في طور الوجود الذّرّيّ في ظهور آبائكم، دفع أو منع أن تقولوا يوم القيامة، لم يكن هذا الحدث حاضرا في ذاكراتنا، فقد نسيناه.
ودفع أو منع أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين، منصرفي الأذهان، إذا قلنا لكم لقد أبقينا آثاره في عقولكم أدلّة تدلّكم على أنّ ربّكم هو اللّه الّذي لا شريك له، وأبقينا في نفوسكم وقلوبكم فطرة تنزع بكم إلى هذه الحقيقة.
فبهذا الإخبار ندفع ونمنع اعتذاركم بالنّسيان، وندفع ونمنع اعتذاركم بالغفلة يوم الدين.
الغفلة: عن الشيء، هي انصراف الذّهن عن ملاحظته، ومراقبته، مع وجوده في مجال الإدراك، أو وجود أدلّته، وإمكان إدراكه بها، لولا وجود الصّارف، أو السّهو الّذي هو بمثابة إطباق الجفنين على العينين مع إمكان الرؤية.
إذن: فلدفع الاعتذار يوم الدّين، بنسيان حدث إشهادكم السابق على أنفسكم بأنّني أنا ربّكم، ولدفع الاعتذار بالغفلة عن آثار هذا الحدث الباقية في فطر عقولكم ونفوسكم وعمق قلوبكم، أخبركم بهذا الحدث، لأوجّه أنظاركم إلى آثاره فيكم، ولأقيم الحجّة عليكم بأنّني أخبرتكم بما شهدتم به على أنفسكم، إذ كنتم في مرحلة الذّرّ من أطوار وجودكم، فكذّبتم خبري، ولم تعبؤوا بما أبقيت في فطركم ممّا شهدتم به على أنفسكم من آثار.
فدلّ ذكر الغفلة عن الآثار الموجودة في فطر العقول والنفوس والقلوب، على أنّهم يعتذرون قبلها بالنّسيان، لكنّ إنزال هذا البيان في القرآن يدفع الاعتذار بالنّسيان، ويدفع الاعتذار بالغفلة معا.