فهرس الكتاب

الصفحة 2841 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 14

وهذا من إبداعات الإيجاز القرآني، إذ يوجد في المذكور ما يدلّ على المحذوف، مع نظرات التلاؤم واللوازم الفكرية، فذكر الغفلة يلائم آثار الإشهاد في العقول والنفوس وعمق القلوب، والإنباء بأصل الحدث يستدعي عن طريق اللوازم الفكريّة أن يعتذروا بالنّسيان لو لم ينزل به هذا البيان القرآنيّ.

قول اللّه تعالى:

أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)

المبطلون: هم الّذين يفترون الباطل- أو يستمسكون به، أو يعملون بمقتضاه، والباطل المراد هنا هو الشّرك باللّه ولوازمه.

والمعنى: ونخبركم بهذا الحدث الذي جرى لكم وأنتم في مرحلة الذّرّ من أطوار وجودكم، وأبقينا آثاره في فطر عقولكم ونفوسكم وقلوبكم، دفع أو منع أن تقولوا إن أتتكم بوادر الإهلاك في الدّنيا: إنّما أشرك آباؤنا من قبل، أي: لم نكن نحن مخترعي الإشراك، ولا البادئين به، إنّما أشرك آباؤنا من قبلنا، وقد ورثنا عنهم عقائدهم بتأثير البيئة، وسلطان مواريثها الضّاغطة، فقد كنّا ذرّيّة من بعدهم مقلّدين لهم، والناشئ في بيئة لا بدّ أن يتأثّر بالمواريث الفكريّة والاعتقاديّة الّتي يجدها في بيئة آبائه وأجداده.

لكنّ اعتذارهم هذا يدفعه ويسقطه، أن يقال لهم: إنّ الرّبّ الخالق لكم ولآبائكم، قد أبان لكم في كتابه الّذي أنزله على رسوله، أنّه أشهدكم وأشهد آباءكم وكلّ ذرّيّة آدم وأنتم في مرحلة الذّرّ من وجودكم، على أنفسكم بأنّه هو وحده ربّكم الّذي لا ربّ لكم غيره، فلا إله لكم غيره، وبعد هذا البيان الذي نقصّ عليكم فيه قصّة إشهادكم على أنفسكم يسقط اعتذاركم بمؤثرات البيئة، ومواريث آبائكم الشركيّة، ولا سيما ما في فطركم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت