معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 32
ولكن هذا لا يكون إلّا إذا سلبناه اختياره الحرّ، وجعلناه مجبورا، وهذا يتنافى مع وضع الإنسان في الحياة الدنيا موضع الابتلاء والامتحان.
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: أي: ولكنّه اتّبع بإرادته الحرّة أهواءه وشهواته، فأخلد إلى الأرض.
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: أي: اطمأنّ عليها، وسكن إليها، ونزع من تصوّره قضيّة الإيمان باليوم الآخر، ووجّه كلّ همّه للحياة الدّنيا على الأرض.
وَاتَّبَعَ هَواهُ: أي: وإذ أخلد إلى الأرض والحياة الدّنيا فيها، فلا بدّ له من أن يتّبع هواه، لينال ما يصبو إليه من متاع الحياة الدّنيا، وذلك لا يكون إلّا بمعصية اللّه، والاستهانة بآياته المنزّلات.
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ:
أي: فوصفه وهو يتّبع هواه في الحياة الدّنيا، كوصف الكلب الّذي يظلّ لاهثا دواما، لا ينتهي لهثه في كلّ أحواله.
إنّ من يتّبع أهواء نفسه، لا بدّ أن يستمرّ في كلّ أحواله كادّا لاهثا، من جريه وراء مطالب نفسه الّتي تتجدّد دواما، فكلّما حقّق مطلبا، أو خاب في سعيه، تجدّد في نفسه مطلب يطمع في تحقيقه، فيسعى مجتهدا كادّا لاهثا في جريه، طامعا في الحصول عليه، مشوقا للظفر به، فهو بسبب أهوائه، وشهواته، وشره نفسه لمتاع الحياة الدنيا، لا يتوقّف عن الكدّ والكدح الذي يجعله لاهثا دواما.
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ... (176) .
أي: ذلك الوصف المنحطّ السّافل، البعيد عن مستوى التكريم الّذي كرّم اللّه به الإنسان، هو أيضا وصف الّذين كذّبوا بآيات اللّه ابتداء، دون أن يؤمنوا بها، فتحيط بهم كجلودهم.