معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 34
بيان عامّ حول هذا الدرس:
إنّ أحقّ من يتلى عليهم نبأ الّذي آتاه اللّه آياته، فانسلخ منها، فأتبعه الشّيطان، فكان من الغاوين، هم الّذين آمنوا بالرّسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم، وبما أنزل اللّه عليه من آيات القرآن الكريم، فكانت شاملة لهم من كلّ جوانبهم، كجلودهم الشّاملة لكلّ أجسادهم.
والغرض من هذه التّلاوة، تحذيرهم من أن يتعرّضوا لمثل ما تعرض له المنسلخون من آيات اللّه من أهل الكتاب من قبلهم.
لقد تلقّوا آيات القرآن الكريم بالقبول، فأخذوها، وغلّفوا بها عقولهم، ونفوسهم، وقلوبهم، عند اندفاعة الإيمان الأولى، المقترنة بحرارة الاستجابة، والطّمع بالسّعادة العظيمة.
ولكنّ المحذور منه أن تبرد حرارة هذه الشّرّة، وتخفّ حدّة الاندفاع، وتستولي عليهم الغفلات، وتتوارد على نفوسهم مطالب الأهواء والشهوات واللّذّات، من متاع الحياة الدّنيا، فينسلخوا شيئا فشيئا من آيات اللّه، كما فعل كثير من اليهود والنّصارى من قبلهم، إذ لبسوا آيات اللّه أوّل الأمر كجلودهم، فلم يلبثوا طويلا حتّى انسلخوا منها كما تنسلخ الحيّات من جلودها، اتّباعا لأهوائهم، وشهواتهم، ولذّاتهم من متاع الحياة الدنيا.
فأتبعهم الشيطان، إذ وجدهم لا درع لهم من آيات اللّه، ولا حاجب يحجبهم من وافدات الأوبئة المسقمة أو القاتلة، فما زال بهم يوسوس لهم، ويسوّل لهم، ويزيّن لهم الباطل والفسق والفجور والعصيان، وما زال يغريهم، حتّى دفع بهم إلى الغواية، فكانوا من الغاوين الضّالين الفاسدين الخائبين.
وقد تحدّث النّصّ عن هذا الصنف من الناس بصيغة الحديث عن المفرد، لأنّ كلّ واحد منهم يتحمّل مسؤوليّته عن انسلاخه من آيات اللّه