فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 42
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى:
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ... (178) :
أي: من يحكم اللّه له بالهداية فهو المهتدي، ومعلوم أنّ حكم اللّه عزّ وجلّ لأفراد عباده بالهداية، أو حكمه عليهم بالضّلالة، حكما مبرما، إنّما يكون يوم القيامة في محكمة العدل الرّبانيّة، بعد السؤال والحساب ووزن الأعمال، أو دون سؤال ولا حساب، إذ يدخل بعض عباده الصّالحين الجنّة بغير حساب.
ومن يحكم اللّه له بالهداية فالجنّة مصيره حتما، هذا وعد اللّه، واللّه لا يخلف الميعاد.
ومعلوم أنّ حكم اللّه لأفراد عباده بالهداية، لا بدّ أن يكون مستندا إلى ما قدّموا في الحياة الدّنيا من إيمان صحيح صادق، وعمل صالح، يضاف إلى ذلك فضل اللّه العظيم عليهم بالعفو والغفران، والتجاوز عن السّيّئات، وتبديل السّيئات حسنات لبعض أهل المراتب الرفيعة من المؤمنين، وهم الّذين تنطبق عليهم صفات عباد الرّحمن.
وقد وجب حمل فعل"يهدي"في هذا النّصّ على معنى الحكم بالهداية، أحد العلاقات الّتي بمقتضاها يسند الفعل إلى فاعله، لأنّ العلاقات الأخرى لا تلائم مضمون هذا النّصّ.
أمّا الهداية بمعنى جعل الإنسان مجبورا على الهداية بالخلق الرّبّاني المباشر، دون أن تكون له إرادة حرّة مختارة، فإنّها تلغي كون الإنسان ممتحنا مختارا في الحياة الدّنيا، في رحلة الابتلاء من وجوده، وتتنافى مع قول اللّه عزّ وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها- لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها إذ التكليف ضمن حدود الوسع يتناقض مع الجبر، ومن