فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 44
الجملتين تفنّن في البيان. وقد يفهم من الإفراد في الجملة الأولى تكريم كلّ فرد من أفراد المهتدين، بأنّه يحمل من ربّه شهادة"المهتدي"بعد فصل القضاء يوم الدين.
أمّا الضّالون فإنّهم يجمعون معا في زمر ذوات رايات مهينات، أو علامات يعرفون بها أنّهم الخاسرون المنبوذون.
وبعد الحكم على الضّالين بالضّلال يوم الدّين، وأنّهم من أهل جهنّم، يساقون إليها ليكبكبوا فيها، وليذوقوا جزاء كفرهم، وتكذيبهم رسل ربّهم، وعدم اتّباعهم آياته، على اختلاف دركاتهم.
وأمّا المهتدون فيساقون معزّزين مكرّمين إلى جنّات النعيم، ليحتلّوا منازلهم فيها بحسب درجاتهم ومراتبهم.
وقد طوي في النصّ هنا هذا السّوق اكتفاء بإيراده في نصوص أخرى، على منهج القرآن في توزيع أفكار وعناصر الموضوع الواحد على مختلف الآيات والسّور، واقتصر فيه على بيان يتعلّق بوصف كاشف لحال أهل جهنّم الفكريّ تجاه آيات اللّه البيانيّة، والإعجازيّة، والكونيّة، والجزائيّة، ويفهم منه بالمقابل ذهنا ولو لم يذكر في العبارة وصف حال أهل الجنّة.
فقال اللّه تعالى:
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ... (175) .
ذَرَأْنا: أي: خلقنا. قيل: وكأنّ الذّرء مختصّ بخلق الذّرّيّة. وقدّم الجنّ على الإنس لأنّهم أسبق خلقا.
ومن المطويّ هنا في النّصّ، ويمكن إدراكه ذهنا: لقد خلقنا للجنّة عبادا لنا من الجنّ والإنس وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
أي: ولقد خلقنا كثيرا من ذراري الجنّ والإنس صائرين لجهنّم دار