فهرس الكتاب

الصفحة 2874 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 47

وموازنة ما في الأشياء من منافع ومضارّ، حتّى لا تسقط الإرادة فريسة الأهواء والشهوات وحبّ العاجلة من متاع الحياة الدنيا، المفضي إلى الحرمان من النعيم المقيم الخالد في الآجلة، والتعرّض للعذاب الأليم فيها، الّذي يفدي العقلاء أنفسهم منه بكل ما في الحياة الدّنيا من ملك عظيم، ولذّات آسرات، وشهوات عارمات، يتقاتل عليها طلّاب الحياة الدّنيا.

لا يَفْقَهُونَ بِها المراد بالفقه هنا ليس مجرّد الفهم والإدراك، بل هو العلم ببواطن الأمور وخفاياها، والبحث عنها للتوصّل إلى معرفتها، فهو أخصّ من مطلق العلم.

وكون الجنّ والإنس الصّائرين إلى جهنّم، باختيارهم الحرّ لما يلذّ لهم، مما يوصلهم إلى عذابها والخلود فيها، لهم قلوب لا يفقهون بها، فسببه أنّهم وجّهوا كلّ قواهم التفكّريّة والمعرفيّة والإدراكيّة، لخدمة أهوائهم وشهواتهم ولذّاتهم من متاع الحياة الدّنيا الفانية، فتوقّفوا عند حدود ظاهر من الحياة الدّنيا، فنزل بهم داء الغفلة عمّا وراء هذه الحدود من حقائق تهدي إلى السعادة الأبديّة، وهي تقع وراء ظواهر الحياة الدنيا، فلم تتّجه قواهم الإدراكيّة والمعرفيّة للبحث عن البواطن من حقائق هذا الوجود، وللبحث عن الغاية منه.

ثمّ تراكمت عليهم آثار هذه الغفلات، من ظلمات الأهواء، ودخان الشهوات الملتهبات، حتّى جلّلت قلوبهم الغشاوات، وتوالى بعضها على بعض، وتراكم بعضها فوق بعض، إلى أن أمست قلوبهم لا تدرك ولا تعي إلّا ما يخدم دنياهم العاجلة الفانية.

وأنّى لمثل هذه القلوب الّتي أصابها عمى نوعي، هو العمى عن حقّ اللّه عليها، وواجبها تجاهه، والعمى عن ملاحظة يوم الدّين، وما اعتد اللّه جلّ جلاله فيه للمجرمين الكافرين، الذين لا يتّبعون ما أنزل إليهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت