معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 50
لكنّهم عطّلوا بإراداتهم الحرّة ما آتاهم ربّهم من تفضيل وتكريم، ليصلوا به إلى منازل جنّات النعيم خالدين فيها، واستعملوه فيما يقذف بهم إلى دركات الجحيم خالدين فيها، مفتونين بما ينالونه من شهوات الحياة الدنيا ولذّاتها، وفيما يرضون به أهواءهم الجانحة عن صراط اللّه المستقيم، ودوافع نفوسهم الجامحة الّتي تدفعهم للظلم والعدوان، والبغي والإثم والعصيان والطّغيان.
لقد أنزلوا بإراداتهم الحرّة أنفسهم من مراتب التكريم الرّبّاني، الّذي جعلهم اللّه به في أحسن تقويم، وهيّأ لهم إذا حافظوا بإراداتهم الحرّة على ما كرّمهم به، جنّات النّعيم يوم الدّين.
لكنّهم أنزلوا أنفسهم بإراداتهم الحرّة إلى أسفل سافلين.
فهم كالأنعام، يأكلون كما تأكل الأنعام، ويشربون كما تشرب الأنعام، ويتسافدون كما تتسافد الأنعام، ويستمتعون بلذّات الحياة الدنيا كما تستمتع الأنعام.
بل هم في الحقيقة أضلّ من الأنعام، لأنّ الأنعام تضبطها غرائزها الفطريّة، أمّا هؤلاء المتسفّلون فليس لهم ما يضبطهم من غرائز فطريّة، لأنّ اللّه- جلّت حكمته- أعطاهم البديل من أجل امتحانهم، وهي القوى العلميّة التّفكيريّة الإدراكيّة، مع الإرادة الحرّة، فعطّلوها عن الخير، وسخّروها لتحقيق رغباتهم من متاع الحياة الدّنيا، منطلقين في الظّلم والعدوان، وارتكاب الشرور في كلّ واد ونفق مظلم وميدان، وعرّضوا أنفسهم لنقمة بارئهم العزيز المنتقم الدّيّان.
فكانوا بذلك أضلّ من الأنعام.
(الأنعام:) هي الإبل والبقر والغنم، وأشباهها.
قول اللّه تعالى: