معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 53
(4) وافرزت عبادة اللّه وحده بالدّعاء، اهتماما بشأن هذه العبادة من صور عبادة اللّه، لأنّ الدّعاء أوّل مظهر تلقائيّ يلجأ إليه أصحاب الضّرورات والحاجات حينما يعجزون عن تحقيق مطالبهم بالأسباب المتاحة لهم في الظواهر الكونية، فقال اللّه عزّ وجل في الآية (29) من السورة:
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... (29) :
أي: وادعوا ربّكم لمطالب دنياكم وأخراكم مخلصين له في الدّعاء، الّذي هو من عناصر الدّين، ويكون هذا الإخلاص بأن لا تدعوا غير اللّه، ولا تشركوا في دعائه أحدا.
(5) ثم وجّه اللّه عزّ وجلّ في الدّرس الخامس من دروس السّورة لعبادة الدّعاء، من صور عبادات العباد له، مبيّنا آداب الدعاء، فجاء في الآيتين (55) و (56) من السورة قوله تبارك وتعالى:
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) :
(6) وبعد ذلك عرض اللّه عزّ وجلّ لقطات مهمّات من قصص الأوّلين المذكورين في القرآن، مبرزا دعوة الرّسل لأقوامهم، بأن يعبدوا اللّه وحده ولا يشركوا بعبادته شيئا، وبأن يتّبعوا ما أنزل إليهم من ربّهم، إذ ليس لهم في الحقيقة إله غيره يجوز أن يعبدوه ويدعوه، فهو الرّبّ الذي لا ربّ غيره، وهو الّذي سيجازيهم على أعمالهم.
إن عادا لمّا اتّخذوا آلهة من دون اللّه يعبدونها، ويدعونها لتلبية مطالبهم في حياتهم، قال لهم رسولهم هود عليه السّلام كما جاء في الآية (71) من السورة:
أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ... (71) .