فهرس الكتاب

الصفحة 2898 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 71

فقال قائلهم: إنّ صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوّت إلى الصّباح، أو حتّى الصّباح.

فأنزل اللّه تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) .

عبارة: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مصدّرة باستفهام تعجيبيّ، توبيخيّ، إنكاريّ، يدلّ على أنّ الّذين كذّبوا بآيات اللّه البيانيّة، قد سلكوا مسلكا منافيا لموازين العقول السّليمة من عدّة وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ آيات اللّه في القرآن الّذي كذّبوا به، هي بحدّ ذاتها وما فيها من إعجاز فكريّ وبيانيّ بليغ، تدلّ على أنّها تنزيل من لدن عزيز حكيم عليم، وليست كلاما من كلام البشر، ودلالتها الذاتية هذه تؤدّي باللّزوم العقليّ إلى دلالة أخرى، وهي أنّ مبلّغ هذا القرآن عن ربّه صادق في تبليغه، وأنّه أهل للاصطفاء بالنّبوّة والرّسالة، بمقتضى حكمة اللّه، منزّل القرآن عليه، فهو كامل العقل، عظيم الفطنة، لا يمكن أن يكون به جنون.

فلو أنّ الّذين اتّهموه بالجنون لأنّه دعا عشيرته إلى دين اللّه في مكّة فخذا فخذا، طوال ليلة كاملة، تفكّروا في آيات اللّه المنزّلات عليه، الّتي يبلّغهم إيّاها، وكان لدى كلّ واحد منهم فكر نظيف، ورأي حصيف، ووجدان منصف، لما اتّهموه بالجنون، بل لآمنوا به واتّبعوه.

الوجه الثاني: أنّ شخصيّة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلم، الّتي عرفوها في تعاملهم معه، قبل بعثته، وبعد بعثته، وأنّ دعوته إيّاهم إلى دين اللّه الحقّ، وإلى نبذ أوثانهم وعقائدهم الخرافية، والإيمان الكامل بتوحيد اللّه في ربوبيّته وإلهيّته، ليس فيها أمارة واحدة على أنّ به جنونا ما.

فكيف يتّهمونه بالجنون على سبيل قذف الشتائم، الّتي يدفع إليها الغضب، أو النفور، أو كراهيتهم ترك ما هم عليه من تقاليد، أو كراهيتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت