معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 84
الجملة الثالثة: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:
أي: لا يستطيع مخلوق في السّماوات والأرض، أن يرفع عن وقتها الغطاء الثقيل فيكشفه ويعلم بوقتها المخفيّ المكنون.
ويلاحظ الأديب الذّوّاق للأدب الرّفيع أنّه استعير في هذه الجملة"الثّقل"للدلالة على تعذّر وصول المخلوقات المدركة في السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجنّ، إلى العلم بوقت قيام السّاعة.
وذلك لأنّ الثّقيل هو الّذي لا يستطيع المخلوق رفعه وحمله، وهنا تنطلق أذهاننا إلى الأمور المعنويّة الثقيلة، فالمشكلة الاجتماعيّة المعقّدة الصعبة الحلّ ثقيلة، لا يستطيع المعالج حلّها، ولا إدراك مفاتيح حلّها، والمعضلة الحسابيّة ثقيلة لا يستطيع الحيسوب حلّها، وإدراك التناهي في الكون دون شيء وراءه، وكذلك نقيضه وهو عدم التناهي في الكون من الأمور المعضلة الثقيلة، الّتي لا يستطيع العقل أن ينهي تساءله عند واحد منهما، مع أنهما نقيضان لا بدّ من واحد منهما.
أمّا ما يستطيعه المخلوق فهو إمّا خفيف بالنّسبة إليه، أو مساو لقوّته.
وقد يكون الشيء الواحد ثقيلا بالنّسبة إلى بعض المخلوقين، وخفيفا أو مساويا بالنّسبة إلى قدرات آخرين.
أمّا أن يتعذّر وصول أهل السّماوات والأرض إلى فعل أمر ما، أو إلى علم أمر ما، فهو دليل على أنّه أثقل من كلّ قدراتهم، إذ تظلّ قدراتهم بالنّسبة إليه طائشة، ويبقى هو في موضعه ثقيلا، فلا تستطيع قدراتهم رفعه إلى حيث يسخّرونه أو يعلمونه.
وحين يكون الغرض من رفعه كشفه والعلم به، لأنّه في المكان الذي هو فيه محجوب مستور، فإنّ وصفه بأنّه ثقيل يدلّ على أنّهم لا يستطيعون الوصول إلى العلم به.