معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 89
يسألك قومك يا محمّد عن وقت قيام السّاعة، كأنّك مهتمّ بأن تعلم وقت قيامها، فتسأل ربّك عنه، وكأنّك عالم به، وكأنّك مهتمّ بسؤالهم وراغب في إجابتهم عليه، مع أنّك أعقل وأكثر بصيرة من أن يشغل قلبك وفكرك مثل هذا الأمر الذي لا فائدة فيه.
وهذا من بديع استعمال اللّفظ الواحد في المعاني المتعدّدة، الّتي يدلّ عليها، وهو من باب الإيجاز والاقتصاد في العبارة، مع الدّلالة على معان كثيرة.
وجاء تأكيد الجواب في قول اللّه تعالى: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ بجعل عبارة عِنْدَ اللَّهِ بدل عبارة: عِنْدَ رَبِّي لبيان أنّ ربّه الّذي ربّاه فيما مضى، ومربّيه دواما هو اللّه خالق كلّ شيء، وربّ كلّ شيء.
ولمّا كان السّؤال عن وقت قيام السّاعة مماحكة باردة، إذ السؤال عن وقت قيامها لا يهمّ السّائلين بشيء من أمور دنياهم ولا من أمور أخراهم، كان السؤال عنه- لاتّخاذ عدم الإجابة عليه ذريعة لجحود يوم الدّين- من الجنوح عمّا ينبغي من العلم، ومن نقص العقل وفساد التّصوّر، ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ في آخر الآية: ... وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) :
أي: ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون ما ينفعهم وما يضرّهم، فيجنحون عن سواء السّبيل، ويشغلون أنفسهم بما لا يفيدهم من العلم، ويتّخذون عدم إعلامهم بوقت قيام السّاعة ذريعة لجحودها، مع أنّ العلم بهذا الوقت لا يزيد في إثباتها أيّ ترجيح فكريّ، إذ دليل اليوم الآخر يعتمد على براهين العدل الرّبّانيّ من جهة العقل، وقواطع الأخبار الدينيّة من جهة النّقل.
ولمّا كان جنوح السّائلين من كفّار قريش مماثلا لجنوح سائر الكافرين المكذّبين بيوم الدّين، وكان الكافرون هم أكثر الناس، كان من الحكمة في