معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 90
البيان القرآني أن يدخل اللّه عزّ وجلّ كفّار قريش ضمن أمثالهم من كفّار كلّ عصر في قضيّة عامّة تشمل الجميع، فقال اللّه تعالى: ... وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) .
الاستدراك بلفظ: [و لكنّ] دلّ على أنّ الإجابات السابقات كافيات لاقناع ذوي الفكر والرّأي والعلم، ولكن لمّا كان أكثر الناس لا يعلمون بسبب تعطيلهم أدوات المعرفة لديهم، كان مشركو مكّة من الّذين يصرّون على جحود السّاعة، وإنكار يوم الدّين، والتكذيب بالبعث للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، واتّخاذ السؤال عن وقت قيام السّاعة ذريعة للتكذيب بها، إذا لم يحدّد لهم وقت قيامها، مع العلم بأنّهم لو حدّد لهم وقت قيامها لاستمرّوا مكذّبين بيوم الدّين، ومكذّبين للرسول الذي يبلّغ عن اللّه آياته المنزّلات عليه، التي يجب على الممتحنين المكلّفين أن يتّبعوها، إذ قال لهم في بداية السورة:
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (3) .
وبهذا الختام وضع الختم على قفل موضوع السؤال عن السّاعة.
وانتقل النّصّ إلى تعليم الرّسول صلى اللّه عليه وسلم، أنّ يبيّن للسّائلين عن وقت قيام السّاعة، أنّه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا إلّا ما شاء اللّه، فيما تجري به المقادير المستقبليّة، لأنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه- لم يعطه علم الأحداث التفصيليّة الّتي تأتي بها الأيّام وساعاتها ودقائقها ولحظاتها، ممّا قضاه اللّه وقدّره، أو أذن به وهو يعلمه، والدّليل على ذلك أنّه صلى اللّه عليه وسلم لو كان يعلم الغيب كلّه بتفاصيله، لاستكثر من الخير، باختيار الأشياء الّتي ترتبط بها مقادير الخير المستقبليّة، ولتحاشى أن يمسّه السّوء، بابتعاده عن كلّ أماكن تنزّل السّوء، الّتي رسم اللّه بقضائه وقدره إنزالها في أماكن معلومة محدّدة، وأن يؤكّد لهم أنّ رسالته لا تعدو أن يكون نذيرا للكافرين