معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 91
المجرمين، وبشيرا لقوم يؤمنون، ومبلّغا عن اللّه ما أنزل اللّه عليه وينزل تباعا، ممّا أمره بتبليغه للناس، وأن يجتهد في وسائل إقناع الناس بالحقّ ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأنه ليس مكلّفا أن يحوّل الناس من الكفر إلى الإيمان، أو من العصيان إلى الطّاعة.
فقال اللّه عزّ وجلّ في الآية التالية في السّورة:
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ:
أي: قل يا أيّها الرّسول محمّد للملحفين عليك في السّؤال عن وقت قيام السّاعة، ولسائر الناس من آمن بك ومن لم يؤمن، لا أملك لأجل نفسي قدرات ولا وسائل أجلب بها لنفسي في الحياة الدّنيا نفعا، أو أدفع بها عن نفسي ضرّا، إلّا ما شاء اللّه أن يمنحنيه من ذلك من فضله.
وممّا لا أملكه علم غيب مستقبل أيامي في الحياة الدّنيا، إلّا ما شاء أو يشاء اللّه إعلامي به وحيا.
ملك الشّيء: القدرة على التّصرّف فيه على وفق ما جزمت به الإرادة. ومالك الشيء: هو القادر على التّصرّف فيه بحسب إرادته.
وبما أنّ الكون كلّه خاضع لسلطان اللّه وإرادته الحكيمة، بكلّ كبير وصغير فيه، فإنّ أحدا في الوجود لا يملك أن يتصرّف بشيء فيه، إلّا إذا منحه اللّه عزّ وجلّ القدرة على التصرّف، في حدود ما منحه من ذلك، حتّى أكرم الخلق عند اللّه وأقربهم إليه، لا يملك لنفسه جلب نفع، أو دفع ضرّ، إلّا إذا شاء اللّه ذلك، فضلا عن أن يملك شيئا من ذلك لغيره من خلق اللّه إلّا بمشيئة اللّه.