معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 98
بعطاءات ربوبيّته، وهو الذي يحفظه، ويحميه، ويبقيه في الوجود إلى أجله المقدّر له، وهو الذي يسعد به الّذين وهبهم إيّاه.
فقد جاء التعبير بهاتين الآيتين (189 - 190) عن بدايات ظاهرة الشّرك باللّه ربّ الناس في تاريخ البشريّة، توطئة لمعالجة الشّرك في النّاس إبّان نزول القرآن، فما يليه من العصور.
وقد فهمنا من هذا العرض الرّبّاني، أنّ بدايات الشّرك في الناس، قد ظهرت في موضوع رغبة بعض الأزواج من النّاس في الذّرّيّة، وبقائها سليمة صالحة معافاة محفوظة من العوارض، ويظهر أنّ هذا الفريق من الناس قد تعرّض لامتحان اللّه لهم بضعف الإخصاب، أو بموت أولادهم وهم ما زالوا أطفالا، أو بأولاد مصابين بعيوب وأمراض مفسدة، أو مشوّهة.
وكانت البيئة ما زالت بيئة إيمانيّة، يؤمن فيها الناس باللّه ربّهم، خالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، وكان من شأنهم المعتاد أن يدعوا اللّه ويسألوه ما يرغبون فيه، ولا سيما في الأمور الّتي لا يملكون التصرّف أو التحكّم بأسبابها، ويعتبرونها من الغيبيّات بالنسبة إليهم، كانعقاد الأجنّة في بطون الأمّهات.
ولكنّ الوالدين بعد أن يستيجب اللّه دعاءهما يلجآن لحماية ولدهما الحبيب الغالي، وللمحافظة عليه إلى اتّخاذ أعمال شركيّة، فتتلاعب بهما أبالسة الإنس والجنّ، فيلجآن إلى التمائم والتعاويذ الّتي ما أنزل اللّه بها من سلطان، وإلى الاستجارة بالموتى، والتبرّك باثارهم، وإلى الاستعاذة بالجنّ، وبالتماثيل الّتي يتوهّمون أنّ أرواح الموتى الصالحين تصاحبها، وتنفع من يدعوها ويستجير بها، من أجل ولدهما الحبيب الغالي، الذي يخشيان عليه من الموت، أو من العاهات والأمراض.
وأخذت تتكرّر هذه الظاهرة في تاريخ النّاس، وتتّسع دوائرها، حتّى