معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 99
شملت كلّ مطالب المشركين في حياتهم، وظهرت عبادة الأوثان، وعبادة الموتى في قبورهم، وعبادة الجنّ والملائكة، وعبادة المشعوذين والدّجالين من الناس.
وشركيّات البشر ترجع إلى جعل بعض ما خلق اللّه شركاء له في ربوبيته، فإلهيّته، فيدعونهم، ويتقرّبون إليهم بالقرابين من الذّبائح، ويعبدونهم بذلك وغيره من دون اللّه، وهذه المعبودات الّتي يجعلونها شركاء للّه سبحانه وتعالى، إمّا أن تكون من الجنّ، أو من الملائكة، أو من أرواح الموتى الصالحين من البشر، أو ما يمثّل شيئا من ذلك من الأحجار والأشجار، ويتفنّنون في اتّخاذ التماثيل لما يعبدون، ويتقرّبون بالقربات لهذه التماثيل.
فاقتضت الحكمة البيانيّة والتربويّة في التنزيل العزيز معالجة شرك المشركين، الّذي ظهر في تاريخ الناس قديما، واستمرّت ظاهراته تبرز في كلّ أمّة، حتّى نزل القرآن على خاتم المرسلين محمّد صلّى اللّه عليه وسلم، وقد صار معظم العرب، ومعظم شعوب الأرض مشركين.
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) :
أي: فتسامى وترفّع وتنزّه اللّه الرّبّ، الّذي لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيّته، عن كلّ ما يجعله المشركون شركاء له، إذ لا أحد يشارك اللّه سبحانه وتعالى في شيء من ربوبيته، ولا في شيء من إلهيّته.
لقد تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا أكبر وأكثر من علوّ الفردوس الأعلى في جنّات النعيم، عن القاع والقرار الأسفل في الجحيم.
بعد هذا البيان تحدّث اللّه عزّ وجلّ عن المشركين بأسلوب الحديث عن الغائب، وكأنّه يخاطب أهل الإيمان والعقل والرّشد، مسفّها أحلام المشركين السّابقين، ببيان أنّ شركهم لا يستند إلى قاعدة فكريّة صحيحة