فهرس الكتاب

الصفحة 2927 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 100

تقبل بها العقول السّويّة السليمة، وتوطئة لمواجهة المشركين المعاصرين للتنزيل فمن يأتي بعدهم بالخطاب المباشر، مع ما يتضمّن الحديث عن الغائبين من خطاب المعاصرين بصورة غير مباشرة.

فقال اللّه عزّ وجلّ:

أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) ؟

صدّرت هذه الآية باستفهام يتضمّن استثارة العجب من فعل المشركين الأولين، الذين ضرب اللّه عزّ وجلّ مثالا من أمثلة شركهم، في الآية السابقة، فقد كان هؤلاء المشركون الأوّلون يجعلون للّه عزّ وجلّ شركاء لا تخلق شيئا، فهي لا تنفع ولا تضرّ.

ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا: جاء التعبير باسم الموصول"ما"الّذي يستعمل غالبا فيما لا يعلم ولا يعقل، للدّلالة على أنّه ليس من صفات الشّركاء الذين اتّخذوهم شركاء للّه أن تخلق شيئا، بمعنى أن تبدع شيئا، أو توجد شيئا بخصائصها الذّاتية.

أي: ليس لشركائهم صفات تستطيع أن تخلق حتّى يصحّ أن تكون شركاء للّه في ربوبيّته، وحتّى يصحّ أن تتّخذ آلهة مع اللّه، تعبد وتدعى، ويتقرّب لها بالقرابين.

وَهُمْ يُخْلَقُونَ: أي: وهؤلاء الشركاء من الإنس والجنّ والملائكة يخلقون خلقا من بعد خلق، ما داموا في الوجود، لأنّ إبقاء المخلوق في الوجود، إنّما يكون بإمساكه فيه، وهذا الإمساك ظاهرة من ظواهر الخلق المتتابع، فمن أمسك شيئا وحمله، واستمرّ يمسكه محمولا، فإنّه يحمله مع اللّحظات لحظة فلحظة، إذ يمدّه بالطّاقة الّتي يبقى بها محمولا.

ومن كان أصله العدم، فإنّ إبقاءه في الوجود يحتاج إلى إمداد متتابع، وإمساك متتابع، وفي اللحظة الّتي ينقطع عنه فيها الإمداد والإمساك يرجع إلى أصله، وهو العدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت