معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 104
قول اللّه تعالى:
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193) :
أي: وإن تدعوهم إلى القيام بعمل صالح فيه هدى لا يتّبعوكم، مهما ألححتم عليهم في الدّعوة، لأنّهم جمادات، ومن ترمزون بها إليهم غير ممكّنين من التأثير فيها بشيء، سواء أكانوا جنّا، أم تزعمون أنهم من الملائكة، أم كانوا أرواح موتى، ولو أراد بعضهم التأثير ككفّار الجنّ.
وذكر اللّه عزّ وجلّ دعوتهم إلى الهدى، مع أنّ دعوتهم لأيّ عمل آخر ولو لم يكن فيه هدى، هو مثل دعوتهم إلى الهدى في أنّهم لا يتّبعون الدّاعي، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لا يذكر من احتمالات الأمثلة إلّا ما فيه خير وهدى وعمل صالح، وهذا من آداب التّعبيرات القرآنيّة ولطائفها.
سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193) :
جاءت هذه العبارة بمثابة جواب سائل يقول: ولماذا لا يستجيبون لداعيهم؟
والجواب: أنّ هذه المعبودات الوثنيّة لا تحسّ بدعوة من يدعوها، وأمّا من يرمز إليهم بها، فلو كانوا شياطين أخباثا، يحرصون على نشر الشّرك في الناس، فإنّهم غير ممكّنين من الاستجابة والتأثير، لئلّا يكون للشّرك آثار مادّيّة يحتجّ بها المشركون لتأييد ونشر ما هم فيه من شرك.
إنّ اللّه جلّ جلاله يكفّهم بسلطانه عن ذلك، ومعظم المعبودين يتبرّؤون من عابديهم عند ربّهم.
(سواء:) خبر مقدّم (عليكم) متعلّق ب (سواء) والمبتدأ هو المصدر المؤوّل من الفعل بعد همزة التسوية، والتقدير: سواء عليكم دعوتكم لهم بألسنتكم وصمتكم.