معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 116
الناصح المرشد، أيّها الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. إنك ستواجه ممّن توجّه لهم بيانك وتوجيهك أذى وعداء وكيدا وضرّا، وستواجه سبابا وشتائم، وألوان همز ولمز وهزء وسخرية.
وإنّك أمام هذه المواقف الصعبة بين خيارين:
فإمّا أن تواجه من تعالجهم بمثل أعمالهم، فتخرج عن منهج دعوتك، وتقيم بينك وبينهم عقبات الخصومات، فالعداوات، وهي عقبات كأداء تقيمها في طريق دعوتك، فتمنعك من متابعة المسير.
وإمّا أن تعفو عمّن يسئ إليك، وتتغاضى عنه، وتبقي جسور الصّلة بينك وبين من تسعى لهدايتهم ونصحهم وإرشادهم وموعظتهم قائمة.
وبسبب إبقاء هذه الجسور تستطيع متابعة مسيرتك، لتغنم الثواب عند اللّه، وعسى أن تظفر بمن يستجيب لك ويهتدي.
وقد جاء التوجيه الرّبّاني لوجوب سلوك سبيل العفو والإغضاء عن إساءات المسيئين.
والبديع في عبارة التوجيه القرآنيّة، أنها جاءت بأسلوب المطالبة بأخذ العفو: خُذِ الْعَفْوَ دون عبارة: فاعف، أو فالزم العفو، أو فالزم سبيل العفو، أو نحو ذلك من عبارات.
إنّ جملة: خُذِ الْعَفْوَ تشعر بأنّ العفو شيء ثمين يؤخذ، ويغتنم، ويظفر به، ومرتبة نفيسة يحرص على الارتقاء إليها أهل البصيرة الإيمانيّة.
ولدى التحليل يلاحظ المتدبّر أنّ العفو له حلاوة في القلوب والنّفوس، فمن عفا ذاق حلاوة العفو، والأشياء ذوات الحلاوات في المادّيّات تؤخذ، وتستعمل في الوجوه الّتي تعطي حلاواتها.
ولمّا كان مجرّد أخذ العفو يسبّب في نفس المؤمن وقلبه مشاعر