معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 117
الحلاوة الإيمانيّة، قال اللّه عزّ وجلّ لحامل الرّسالة الدّينيّة: خُذِ الْعَفْوَ.
ويلاحظ المتدبّر أيضا أنّ العفو يثيب اللّه عليه ثوابا عظيما جليلا، ويعلم أنّ المؤمن شديد الحرص على الظفر بهذا الأجر العظيم. ولمّا كان الحصول على هذا الأجر العظيم الّذي يأخذه المؤمن عند ربّه، إنّما يأخذه بسبب العفو، كان من فنّيّة الأداء البيانيّ البديع، والأدب الرّفيع، إسناد الأخذ إلى السّبب الّذي يؤخذ به الأجر العظيم عند اللّه.
وجملة: خُذِ الْعَفْوَ تدلّ بلازمها الذّهنيّ على النّهي عن أخذ التّشفّي، أي: ولا تأخذ التّشفّي لنفسك بالانتقام، وبمقابلة السّيّئة بمثلها، ومعاقبة المسيئ من الذين تعالجهم بما يستحقّ من عقاب. فحلاوة العفو ولذّته، مع ثواب اللّه العظيم. خير لك من لذّة التّشفّي العابرة، الّتي قد لا تظفر بها، وقد تجلب لك شرّا كبيرا، مع ما تقيم من عقبات وجدر في سبيل قيامك بأداء رسالتك الّتي تحملها للإصلاح، ومع ما تدمّر من جسور بينك وبين من تعالجهم بالدّعوة، أو بالنّصح والإرشاد، أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إنّ العفو عن إساءات المعالجين وإيذاءاتهم يعبّد للمعالج حامل الرسالة السّبل الوعرة، الّتي ينبغي أن يسلكها لدى تأدية رسالته، ابتغاء مرضاة ربّه، فهذا أمر يرضي اللّه عزّ وجلّ، لأنّه أكثر تأثيرا في هداية الناس، واستجابتهم لما يحييهم، بما يملك من قلوبهم ونفوسهم وعواطفهم، وبما يمهّد الطريق إلى استجابتهم، فيثيب اللّه عليه ثوابا عظيما.
(2) شرح الوصيّة الثانية: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ:
أي: وليكن همّك أن تأمر النّاس بالعرف. والعرف في هذه المرحلة المكيّة الّتي نزلت فيها سورة (الأعراف) هو ما يسمّيه العرب عرفا، وهو البذل والعطاء والمساعدة لذوي الحاجات والضرورات.