معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 118
إنّ هذا التوجيه للأمر بالعرف، يدلّ على أنّ الدّاعي إلى دين اللّه، إذا اهتمّ في دعوته إلى سبيل ربّه بقضايا ذوي الحاجات من الفقراء والمساكين والضعفاء، فدافع عنهم، وأمر باصطناع المعروف معهم، وحثّ على العطف عليهم ومساعدتهم، استمال إلى دعوته قلوب ونفوس الكثرة الكاثرة من جماهير الشّعب، إذ الكثرة الكاثرة من الناس في كلّ عصر وفي كلّ أمّة هم ذوو الحاجات والضعفاء.
والدّعوة إلى صنع العرف معهم تستعطفهم إلى الدّاعي، وتجعلهم يلتفّون حوله، وبذلك تتوجّه أفكارهم بقوّة لقاعدة الإيمان الّتي يدعوهم إليها، فيستقبلونها ويتقبّلونها، ويستجيبون لها.
ويدلّ هذا التوجيه الوارد عقب الوصيّة بأخذ العفو، على التوجيه الإلماحيّ لقطع لسان من يسئ لحامل الرّسالة، بأن يأمر أصحابه وإخوانه وأنصاره، وسائر من يمكن أن يستجيب له بأن يصنعوا العرف مع المسئ، ومع ذوي الحاجات من جماعته وعصبته وعشيرته.
فإذا رأى المسئ أنّ حامل الرّسالة الّذي أساء هو إليه قد أمر أصحابه بأن يقدّموا له ولعشيرته العرف، بعد أن ثارت فيهم الحميّة، وهمّوا بأن ينكّلوا به، وينتصروا لقائدهم ورائدهم والدّاعي إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالّتي هي أحسن، فلا بدّ أن يتصاغر في نفسه، ويتراجع عن موقفه، ويحاول التكفير عن إساءاته.
وتروي لنا قصص شمائل الرّسول صلى اللّه عليه وسلم شيئا كثيرا، ممّا يتضمّن تطبيق هذا التوجيه الرّبانيّ.
إنّ هذه الجملة: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ على اقتضابها تحكي قصّة الأسلوب الأنجع لحامل الرسالة لدى تأديته رسالة ربّه، إذ يجذب به الجمهور الأوسع للإيمان بما يدعو الناس إليه، والعمل بما ينصحهم به، أو يرشدهم إليه.