معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 119
يدرك هذا أهل التّدبّر من أهل المعرفة بطبائع الناس، وواقع أحوال الشعوب، وبأساليب استعطاف واستمالة الجمهور الأعظم منهم.
(3) شرح الوصيّة الثالثة: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ:
أي: وقابل الّذين يتمادون في الجهالة عليك بعد العفو عن إساءاتهم وأذاهم، وبعد أمرك بصنع العرف لهم، بالإعراض فقط، وهو إعطاء عارضك لهم.
العارض: جانب الوجه والجسم.
ونفهم من هذا أنّه من غير المستحسن إدارة الظهر لهم، والتولّي عنهم، بل المطلوب الاكتفاء بمجرّد الإعراض عنهم إذا تطاولوا وتمادوا في السفاهة، وتصرّفات الحمقى الجاهلين.
الإعراض: منزلة وسطى بين المواجهة والإدبار.
والمراد بالجاهلين هنا، هم الّذين يتسافهون على الفضلاء، فيخاطبونهم بالأقوال النابية القبيحة، أو بالشتائم والسباب، ويؤذونهم بالتحقير والسّخرية، والهمز واللّمز، وهذا ما عناه الشاعر العربيّ بقوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
*** أفلا تلخّص هذه الآية الموجزة بفقراتها الثلاث فصولا ثلاثة، من كتاب"فقه الدّعوة إلى اللّه والنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"وتحدّد سياسة حامل الرسالة فيمن يؤدّي رسالته إليهم.
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) :
إنّ ظاهر هذا النصّ قد يوهم أنّه اشتمل على جمل اقتصرت على التوجيه المباشر لثلاث وصايا، وأنّها لا تحتوي صورا أدبيّة.