معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 120
لكنّ المتدبّر الحصيف يعلم أنّ هذه الجمل المقتضبة الحاملة لهذه الوصايا، إنما هي جمل ملتقطة من ثلاثة فصول من كتاب كبير، وهي تدلّ بلوازمها الفكريّة على كلّ عناصر فصولها.
وهذا لون من ألوان الأدب الرّفيع الّذي يدركه كبار البلغاء ويعتمدون عليه في بياناتهم.
*** قول اللّه تعالى:
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) .
تمهيد:
بعد الوصايا الثلاث التي وجّهها اللّه لحامل الرّسالة في الآية السابقة، جاءت هذه الآية لمعالجة نفسه، إذا تحرّكت فيها الدّوافع للتّشفّي ممّن أساء إليه.
فأبان اللّه له أنّ ذلك من نزغ الشيطان، أي: من تحريكه وتحريضه وإثارته للغضب، ودفعه إلى فعل لا يليق بمثله انتقاما لنفسه.
وعلّمه اللّه جل جلاله الدّواء الذي يصرف اللّه به عنه هذا النّزغ الشيطانيّ.
هذا الدواء هو أن يستعيذ باللّه منه، فإذا فعل ذلك سمع اللّه استعاذته الصّادقة، الصادرة من عمق فؤاده، وهو تبارك وتعالى يعلم ما حدث في نفسه من انفعال يكاد يستخفّه للانتقام، فيستجيب له، فيصرف عنه نزغ الشّيطان، فيعود إلى حالة الهدوء والسكينة والطّمأنينة.