فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 125
وإذا قابله المدعوّ بالسّباب والشتائم والاتّهمات الباطلات، دفع الداعي إلى اللّه بالّتي هي أحسن، وهي الإعراض عن شتائمه، والاكتفاء بنفي الاتّهامات الباطلات، أسوة بما فعل الرّسل عليهم السّلام.
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) :
أي: إنّ دفع المواقف السّيّئة من ذي العداوة، بالمعاملة الّتي هي أحسن خلقا وسلوكا، تجعله يتراجع عن مواقفه السيّئة شيئا فشيئا، إذ تبرد حرارة هجومه، ولا يزال يتراجع باتّخاذ مواقف ليّنة رفيقة حسنة، ليغطّي موقفه السابق، الذي جعله مدانا في نظر الناس بقبح التصرّف، وبالعدوانيّة الّتي لا مسوّغ لها، ولا داعي لاتّخاذها.
ولا يزال يتراجع حتّى يتظاهر بالتّودّد، فيبدو كأنّه وليّ حميم، أي:
كأنّه مناصر ذو ولاء، وصديق ذو ودّ حقيقيّ.
ودلّ التشبيه بعبارة (كأنه) على أنّه قد يتصنّع هذه الظواهر الودّيّة مداهنة ورياء، ليغطّي ما سبق منه من مواقف سيّئة لا مسوّغ لها.
غير أنّه ربّما تحوّل بعد ذلك إلى ذي ولاء وودّ صادقين، كما حصل لكثيرين من الّذين كانوا أعداء للرسول صلى اللّه عليه وسلم ولدعوته، إذ تحوّلوا إلى الملاينة والمداهنة أوّلا، ثمّ تحوّلوا بعد ذلك إلى أتباع ذوي ولاء صادق، وحبّ شديد له ولدعوته، ثمّ قدّموا حيواتهم وأموالهم فداء له، وللدّين الذي جاءهم به، والسّيرة النبويّة فيها أمثلة متعدّدة من هذا.
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) :
دلّت هذه الآية على أنّ مقابلة السّيّئة بالّتي هي أحسن خلقا وسلوكا، من الأمور الصعبة على النفوس، الّتي تتطلّب من حامل الرّسالة في دعوته ونصحه واتّخاذه وسائل الإصلاح والتقويم، صبرا عظيما، وحظّا وافرا من فضائل الأخلاق.