فهرس الكتاب

الصفحة 2953 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 126

واقترنت هذه الدّلالة بثناء عظيم من اللّه جلّ جلاله على من يتحلّى بهذه الصفة الرفيعة.

أي: وما يلقّى هذه الخصلة الحميدة والسّلوك السّامي، إلّا الّذين صبروا، أي: إلّا الّذين صبروا على الأذى، ولا يصبر على الأذى إلّا من تدرّب عليه، حتّى صارت لديه قدرة على الصّبر، وصار الصّبر على الأذى في سبيل قيامه بوظائف رسالته خلقا مكتسبا له، إن لم يكن من أصل فطرته وجبلّته.

إنّ الّذين لديهم خلق الصّبر على الأذى يتحمّلون صدمات الأذيات، ويمتصّونها، من الّذين يحرصون بدعوتهم لهم على نجاتهم من عذاب اللّه، ويحرصون على أن يفوزوا معهم بجنّات النّعيم فوزا عظيما، ويزيدون على فضيلة الصّبر فيدفعون بالخصلة الّتي هي أحسن السّيّئة الّتي آلمتهم.

وما يلقّى هذه الخصلة الحميدة الجليلة إلّا ذو حظّ عظيم من فضائل الأخلاق، ومحاسن الشّيم، ومن البصيرة الرّبانيّة الهادية، وذو حظّ عظيم من الأجر عند ربّه.

يقال لغة: لقّى فلان فلانا الشّيء، أي: جعله يلقاه ويأخذه منه، فالآخذ للشيء يلقّاه ممّن لقّاه إيّاه.

ولمّا كانت هذه الخصلة العظيمة إنّما يمنحها اللّه لمن آمن وصبر ودرّب نفسه على فضائل الأخلاق، كانت فضيلة يلقّاها من عطاءات اللّه له، فهو يتلقّاها، ويتخلّق بها، ويتصرّف في دعوته إلى سبيل ربّه بمقتضاها.

وهذا سرّ التعبير بقول اللّه تعالى: وَما يُلَقَّاها بالبناء لما لم يسمّ فاعله، أي: وما يعطاها عطاء ربّانيّا فهو يتلقّاها من عطاءات ربّه إلّا الّذي صبر، وما يعطاها إلّا ذو حظّ عظيم من الفضائل الخلقيّة، ومن الأجر العظيم عند ربّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت