معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 318
قالوا: وهذا في الصلاة، وما يتيسّر من القرآن يصدق بآيات منه ولو كانت من غير الفاتحة، فتجزئ القراءة بها، ويحمل ما جاء في الأحاديث على الوجوب فقط، لا على كون تلاوة الفاتحة شرطا لصحّة الصلاة، وهذا على أصلهم من أنّ أحاديث الآحاد لا تنسخ ما جاء في القرآن المتواتر، وهي مسألة خلافيّة مدوّنة في علم أصول الفقه.
أقول:
إنّ قول اللّه عزّ وجلّ: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قد جاء في العهد المدني تخفيفا على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى من كان قد ألزم نفسه من الصحابة بأن يعمل مثل عمله في إيجاب قيام اللّيل عليه، الذي أوجبه اللّه عليه منذ أوائل العهد المكيّ، بقوله له كما جاء في أوّل السورة:
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) .
والمراد من قيام اللّيل الصّلاة فيه من غير الفرائض الخمس.
وقد جاء التعبير في العهد المدني بقول اللّه: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ كناية عن الصلاة في اللّيل من غير الفريضة إشعارا بأنّ تلاوة القرآن في الصّلاة هي من أهمّ عناصرها، فالمعنى: فصلّوا في اللّيل ما يتيسّر لكم، وأدنى المتيسّر ركعتان، وهذا على الوجوب بالنسبة إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، أمّا غيره من المسلمين فهو على النّدب.
وحمل قول اللّه تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ على قيام اللّيل هو فهم جمهور المفسّرين والفقهاء، على أنّ ظاهر اللّفظ يدلّ على الاكتفاء بتلاوة ما تيسّر من القرآن في قيام اللّيل ولو في غير الصّلاة.
وعلى ما ذهب إليه الجمهور من أنّ العبارة كناية عن الصّلاة في اللّيل فليس فيها دليل واضح الدلالة على أنّه يجزئ تلاوة ما تيسّر من القرآن في