فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 335
وقد تشكل على بعض الذين يتلون هذا النصّ عبارة: جَعَلْنا فيه، حينما يضعون في تصوّرهم هذا الفهم الذي سبق بيانه.
وأقول:
إنّ عبارة: جَعَلْنا هنا ينبغي أن نفهمها على معنى الجعل التكويني القدريّ العامّ الّذي ربط اللّه به المسبّبات بأسبابها، وهذا الجعل التكويني هو المهيمن على كلّ ما في الكون من قوانين وسنن ربّانيّة، وهو يشمل ما فطر اللّه الناس عليه، وجعله سنّة من سنن الاجتماع البشريّ، والسّلوك الإنسانيّ الاختياريّ.
أي: فمن اختار شرعة غير شرعة اللّه، بمقتضى ما وهبه اللّه من إرادة حرّة مختارة، وسخّر له المسخّرات الّتي تطيعه بخلق اللّه، فيحقّق بها ما اختار لنفسه، فلا بدّ أن يتخذ في حياته منهاج سلوك يلائم ما اختار من شرعة، ويمكّنه اللّه من سلوكه بما يسخّر له من مسخّرات. ومن اختار شرعة اللّه كذلك فلا بدّ أن يدفعه إيمانه إلى سلوك منهاج اللّه لعباده، وبعد وجود الدافع:
إمّا أن يستجيب بإرادته مطيعا، وإمّا أن لا يستجيب فيتبع هواه عاصيا.
والمعنى فاحكم بين الناس يا محمّد بما أنزل اللّه عليك، ولا تتّبع أهواءهم معرضا أو مدبرا عمّا جاءك من الحقّ، لك شرعتك ومنهاجك اللّذان أوحينا بهما إليك، ولكلّ منهم. أيّ: من الناس غير المؤمنين شرعته ومنهاجه، فسنّة اللّه في المجتمع البشريّ أنّ مناهج الناس في الحياة تتبع مشاربهم وشرائعهم"- أي: أيديولوجياتهم".
* فالمؤمنون شرعتهم ابتغاء مرضاة اللّه، ومنهاجهم أحكام دينه لعباده.
* والكافرون شرائعهم أهواؤهم وضلالات الشياطين، ومناهجهم ما يرضي شهواتهم، ويرسم لهم شياطينهم وواضعو مذاهبهم.