معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 543
شرط جازم لا يُجِبْ الفعل مجزوم على أنّه فعل الشّرط. وجوابه دلّت عليه عبارة:
فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ: أي: فليس بقادر على أن يفلت من عقاب اللّه وعذابه، مهما كانت له قدرة على الهرب، واجتياز المسافات بسرعات فائقات، إذ هو محاط بقدرة الرّبّ من وراء كلّ الأبعاد، الّتي يتوهّم أنّه يمكن أن يهرب إليها، بقدراته العفريتيّة.
وقد جاءت هذه العبارة كناية عن جواب الشرط، الّذي يدلّ دلالة مباشرة على نزول العقاب به لا محالة.
والمعنى: فهو معذّب عذابا أليما لا محالة، فلو حاول الهرب ليفلت من العذاب، فليس بمعجز الملائكة المأمورين بالقبض عليه، وبتعذيبه، وبإدخاله جهنّم دار عذاب الكافرين المجرمين، فضلا عن أن يعجز اللّه هربا، وهو الذي خلقه ومنحه قدراته التي يقطع بها المسافات الشّاسعات، بسرعات فائقات.
وجاءت عناية هؤلاء النّفر المؤمنين من الجنّ، بالتّوجيه في دعوتهم لقومهم، لحقيقة أنّهم لا يعجزون ربّهم في الأرض، إذا أراد اللّه معاقبتهم، نظرا إلى أنّ قومهم من صنف الجنّ الطيّارين، الّذين قد يتوهّمون أنّهم قادرون على الهرب من جنود اللّه، بسبب ما آتاهم اللّه من سرعات فائقات.
وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ: أي: وليس له من دون اللّه نصراء ينصرونه، فيدفعون عنه عذاب اللّه على معصيته وكفره.
الأولياء: هنا النّصراء الّذين يحرصون على نصرة أتباعهم، أو إخوانهم، والذين كانوا في أزمان الامتحان يحرّضون من يتّبعهم على الإثم والظلم ونشر الفساد في الأرض.